تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. أنه خلَق هذه الأشياءَ، وأَخْرَج مِن الأرضِ ماءَها ومرعاها منفعةً لنا، ومتاعًا إلى حينٍ.
وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكره: فإذا جاءت التي تَطِمُّ على كلِّ هائلةٍ من الأموِر، فتَغْمُرُ ما سواها بعظيمٍ هَوْلِها.
وقيل: إنها اسمٌ من أسماءِ يومِ القيامةِ
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللهُ، وحذَّره عبادَه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن القاسم بن الوليدِ في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾. قال: سِيق أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ، وأهلُ النارِ إلى النارِ (٢).
وقولُه: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾. يقولُ: إذا جاءت الطامَّةُ يومَ يَتَذَكَّرُ
[— بداية ص ٢٤/ ٩٨، page_id=16042 —]
الإنسانُ ما عمل في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ، وذلك سعيُه، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾، يقولُ: وأُظْهِرت الجحيمُ، وهي نارُ اللهِ، لمن يَرَاها. يقولُ: لأبصارِ الناظرين.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأَما مَن عَتَا على ربِّه، وعصَاه واستكْبَر عن عبادتِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿طَغَى﴾. قال: عصَى (١).
وقولُه: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: وآثَر متاعَ الحياةِ الدنيا على كرامةِ الآخرةِ وما أعدَّ اللَّهُ فيها لأوليائِه، فعمل للدنيا وسعَى لها، وترَك العملَ للآخرةِ،
﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. يقولُ: فإن نارَ اللَّهِ التي اسمُها الجحيمُ، هي مَنزِلُه ومَأواه، ومصيرُه الذي يصيرُ إليه يومَ القيامةِ.
وقولُه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾. يقولُ: وأما مَن خاف مسألةَ اللَّهِ إيَّاه عند وقوفِه يومَ القيامةِ بينَ يديه، فاتقاه؛ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾. يقولُ: ونهى نفسَه عن هواها، فيما يكرَهُه الله ولا يَرْضاه منها، فزجَرها عن ذلك، وخالَف هواها إلى ما أمَره به ربُّه،
﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. يقولُ: فإن الجنةِ هي مأواه ومنزِلُه يومَ القيامةِ.