تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾ (*).
يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾. إنا بيَّنا له طريقَ الجنةِ، وعرَّفْناه سبيلَه، إنْ شكَر أو كفَر. وإذا وُجِّهَ الكلامُ إلى هذا المعنى، كانت "إما وإما" في معنى الجزاءِ. وقد يَجُوزُ أنْ يكونَ "إما وإما" بمعنًى واحدٍ، كما قال: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦]، فيكونَ قولُه: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ حالًا مِن الهاءِ التي في: ﴿هَدَيْنَاهُ﴾. فيكونَ معنى الكلامٍ إذا وُجِّه ذلك إلى هذا التأويلِ: إنا هدَيْناه السبيلَ؛ إما شقيًّا وإما سعيدًا. وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ ذلك، كما قال: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥]. كأنك لم تَذْكُرْ إما، قال: وإِن شِئْتَ ابْتَدَأْتَ ما بعدَها فرفعتَه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
[— بداية ص ٢٣/ ٥٣٨، page_id=15872 —]
قولَه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾. قال: الشِّقْوةَ والسَّعادة (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا﴾: للنعمِ، وَإِمَّا كَفُورًا: لها.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾، إلى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾. قال: نَنْظُرُ أَيَّ شيءٍ يَصْنَعُ، أيَّ الطريقين يَسلُكُ، وأيَّ الأَمرَين يأخذُ، قال: وهذا الاختبارُ (٢).
وقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أعتَدْنا لمن كفَر نِعَمَنا، وخالَف أمرَنا، سلاسلَ يُسْتَوْثَقُ بها منهم شدًّا في الجحيمِ، ﴿وَأَغْلَالًا﴾. يقولُ: وتشدُّ بالأغلالِ فيها أيدِيهم إلى أعناقِهم.
وقولُه: ﴿وَسَعِيرًا﴾. يقولُ: ونارًا تُسَعَّرُ عليهم فتتوقَّدُ.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذين بَرُّوا بطاعتِهم ربَّهم في أداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾؛ وهو كلُّ إناءٍ كان فيه شرابٌ، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾. يقولُ: كان مِزاجُ ما فيها مِن الشرابِ، ﴿كَافُورًا﴾. يعني: في طيبِ رائحتِها كالكافورِ. وقد قيل: إن الكافورَ اسمٌ لعَينِ ماءٍ في الجنةِ، فمن قال ذلك؛ جعَل نصْبَ العينِ على الردِّ على الكافورِ تِبْيانًا عنه، ومن جعَل الكافورَ صفةٌ للشرابِ