تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدِ ﷺ: إنا نحنُ نزَّلنا عليك يا محمدُ هذا القرآنَ تنزيلًا، ابتلاءً منَّا واختبارًا.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: اصْبِرْ لما امتَحَنك به ربُّك من فرائضِه، وتبليغِ رسالاتِه، والقيامِ بما أَلْزَمك القيامَ به في تنزيلِه الذي أَوْحاه إليك، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. يقولُ: ولا تُطِعْ في معصيةِ اللهِ من مشركي قومِك ﴿آثِمًا﴾. يريدُ: برُكُوبِه معاصيَه، ﴿أَوْ كَفُورًا﴾. يعني جحودًا لنعمِه عندَه وآلائِه قِبَلَه، فهو يكفُرُ به، ويعبُدُ غيرَه.
وقيل: إنَّ الذي عُنِي بهذا القولِ أبو جهلٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. قال: نزَلت في عدوِّ اللهِ أبى جهلٍ (٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه بلَغه أن أبا جهلٍ قال: لئِن رأَيْتُ محمدًا يُصلِّي لأطأَنَّ على (٤) عنُقِه. فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٥).
[— بداية ص ٢٣/ ٥٧٣، page_id=15907 —]
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. قال: الآثِمُ: المُذْنبُ الظالمُ، والكفورُ، هذا كلُّه واحدٌ. وقيل: ﴿أَوْ كَفُورًا﴾. والمعنى: ولا كفورًا.
قال الفرَّاءُ (١): "أو" ههنا بمنزلةِ ["لا"، و "أو"] (٢) في الجحدِ والاستفهامِ والجزاءِ تكونٌ بمعنى "لا"، فهذا مِن ذلك من ذلك مع الجحدِ، ومنه قولٌ الشاعرِ (٣):
لا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجِدْتُ وَلا … وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّهَا رُبَعُ (٤)
أَوْ وَجْدُ شَيْخٍ أَضَلَّ نَاقَتَهُ … يَوْمَ تَوَافَى (٥) الحَجِيجُ فَانْدَفَعُوا
أراد: ولا وَجْدُ شيخٌ، قال: وقد يكونُ في العربيةِ: لا تُطِيعنَّ منهم من أَثِم أو كفَر، فيكونُ المعنى في "أو" قريبًا من معنى "الواوِ"، كقولك للرجلِ: لأُعْطِينَّك سألتَ أو سكتَّ. معناه: لأُعْطِينَّك على كلِّ حالٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: واذكر يا محمدُ اسم ربِّكَ فادْعُه به بكرةً في صلاةِ الصبحِ، وعشيًّا في صلاةِ الظهرِ والعصرِ، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾.
يقولُ: ومن الليلِ فاسْجُدْ له في صلاتِك، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾. يعنى: أكثرَ