Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذكرُه: فوقَهم. يعنى: فوقَ هؤلاءِ الأبرارِ ثيابُ سُنْدُسٍ. وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يتأوَّلُ قولَه: ﴿عَالِيَهُمْ﴾: فوقَ حِجالهم المبنيةِ (٤) عليهم، ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾. وليس ذلك بالقولِ المدفوعِ؛ لأنَّ ذلك إذا كان فوقَ حِجالٍ هم فيها، فقد
[— بداية ص ٢٣/ ٥٦٨، page_id=15902 —]
علَاهم، فهو عالِيَهم.
وقد اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ وبعضُ قرَأَةِ مكةَ: (عالِيهمْ) بتسكينِ الياءِ (١). وكان عاصمٌ وأبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ يقرَءُونه بفتحِ الياءِ، فمن فتَحها جعَل قولَه: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ اسمًا مرافعًا للثيابِ، مثلَ قولِ القائلِ: ظاهرُهم ثيابُ سُنْدُسٍ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾. يعني: ثيابُ ديباجٍ رقيقٍ حسنٍ. والسُّنْدُسُ: هو ما رَقَّ مِن الديباجِ.
وقولُه: ﴿خُضْرٌ﴾. اختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ وأبو عمرٍو (٢) برفعِ: ﴿خُضْرٌ﴾ على أنها نعتٌ للثيابِ، وخفضِ: ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، عطفًا به على السُّنْدُسِ، بمعنى: وثيابُ إِسْتَبْرَقٍ. وقرَأ ذلك عاصمٌ وابنُ كثيرٍ: (خُضْرٍ) خفضًا، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ رفعًا (٣)، عطفًا بالإستبرقِ على الثيابِ، بمعنى: عالِيهم إستبرقٌ، وتَصْيِيرًا (٤) للخُضْرِ نعتًا للسُّنْدُسِ. وقرَأ ذلك نافعٌ: ﴿خُضْرٌ﴾ رفعًا، على أنَّها نعتٌ للثيابِ، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ رفعًا، عطفًا به على الثيابِ. وقرأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الكوفةِ: (خُضْرٍ وإِسْتَبْرَقٍ) خفضًا كلاهما (٥). وقرَأ ذلك ابنُ مُحَيْصِنٍ بتركِ إجراءِ الإستبرقِ: (وإِسْتَبْرَقَ) بالفتحِ (٦)، بمعنى: وثيابُ إستبرقٍ، وفتح ذلك؛
تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
ابن كثيرd. 774 AHPrinted page: 7/ 451
عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير ومنه سندس وهو: رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر كما هو المعهود في اللباس.
﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة الأبرار وأما المقربون فكما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣].
ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغلّ والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هناك عينين فكأنما أُلهموا ذلك فشربوا من إحداهما فأذهب اللَّه ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فأخبر ﷾ بحالهم الظاهر وجمالهم الباطن.
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ أي: يقال لهم ذلك تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم كما قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة] وكقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وقوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ أي: جزاكم اللَّه تعالى على القليل بالكثير.
يقول تعالى ممتنًا على رسوله ﷺ بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلًا: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾
[— بداية ص ٧/ ٤٥٢، page_id=4449 —]
أي: كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على اللَّه، فإن اللَّه يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر قلبه
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥)﴾ أي: أول النهار وآخره
ثم قال تعالى منكرًا على الكفار ومن أشبههم في حبِّ الدنيا والإقبال عليها والانصباب إليها وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ يعني: يوم القيامة
ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وغير واحد يعني: خلقهم (١). ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة وبدلناهم فأعدناهم خلقًا جديدًا، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة.
وقال ابن زيد وابن جرير: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم (٢). كقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء] وكقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم].
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يعني هذه السورة تذكرة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومسلكًا؛ أي: من شاء اهتدى بالقرآن كقوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [النساء: ٣٩].
قوله ﷿: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة «سلاسل» بغير تنوين، ووقفوا بألف، ووصله أبو عمرو بألف من غير تنوين والباقون يصلون بالتنوين ويقفون بألف.
قال مكي بن أبي طالب النحوي: «سلاسل» و «قوارير» أصله أن لا ينصرف، ومن صرفه من القراء، فإنها لغة لبعض العرب. وقيل: إنما صرفه لأنه وقع في المصحف بالألف، فصرفه لاتباع خط المصحف. قال مقاتل: السلاسل في أعناقهم، والأغلال في أيديهم. وقد شرحنا معنى «السّعير» في سورة النّساء «٢» .
قوله ﷿: إِنَّ الْأَبْرارَ واحدهم بَرٌّ، وبَارٌّ، وهم الصادقون. وقيل: المطيعون. وقال الحسن: وهم الذين لا يؤذون الذَّر يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ أي: من إناءٍ فيه شراب كانَ مِزاجُها يعني:
[— بداية ص ٤/ ٣٧٦، page_id=2138 —]
مزاج الكأس كافُوراً وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الكافور المعروف، قاله مجاهد، ومقاتل، فعلى هذا في المراد «بالكافور» ثلاثة أقوال: أحدها: برده، قاله الحسن. والثاني: ريحه، قاله قتادة.
والثالث: طعمه، قاله السدي. والثاني: أنه اسم عين في الجنة، قاله عطاء، وابن السائب. والثالث: أن المعنى: مزاجها كالكافور لطيب ريحه، وأجازه الفراء، والزجاج.
قوله ﷿: عَيْناً قال الفراء: هي المفسرة للكافور، وقال الأخفش: هي منصوبة على معنى: أعني عيناً. وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى: من عين، قوله: يَشْرَبُ بِها فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يشرب منها. والثاني: يشربها، والباء صلة. والثالث: يشرب بها عباد الله الخمر يمزجونها بها.
وفي هذه العين قولان: أحدهما: أنها الكافور الذي سبق ذكره. والثاني: التّسنيم، وعِبادُ اللَّهِ هاهنا: أولياؤه يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً قال مجاهد: يقودونها إلى حيث شاؤوا من الجنة. قال الفراء: حيث ما أحب الرجل من أهل الجنّة فجّرها لنفسه.
قوله ﷿: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال الفراء: فيه إضمار «كانوا» يوفون بالنذر. وفيه قولان «١» :
أحدهما: يوفون بالنذر إذا نذروا في طاعة الله، قاله مجاهد، وعكرمة. والثاني: يوفون بما فرض الله عليهم، قاله قتادة. ومعنى «النذر» في اللغة: الإيجاب. فالمعنى يوفون بالواجب عليهم، قوله: وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً قال ابن عباس: فاشياً. وقال ابن قتيبة: فاشياً منتشراً. يقال: استطار الحريق: إِذا انتشر، واستطار الفجر: إذا انتشر الضوء. وأنشدوا للأعشى:
Footnotes are the editor's words, not the author's.