تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولَه: [﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾] (٥): إن هذه الآياتِ التي ذكَرَ فيها أمرَ القيامةِ وأهوالَها، وما هو فاعلٌ فيها بأهلِ الكفرِ، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾. يقولُ: [عِبرةٌ وعِظَةٌ لمن اعْتَبر بها واتَّعظ، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. يقولُ] (٦): فمن شاء (٧) اتَّخذ إلى ربِّه طريقًا، بالإيمانِ
ص ٢٣/ ٣٩٣
به والعملِ بطاعتِه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. يعنى: القرآنَ، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: بطاعةِ اللهِ.
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن ربَّك يا محمدُ يَعْلَمُ أنك تقوم أقربَ مِن ثلثَيِ الليلِ مُصَلَّيًا، ونصفَه وثلثَه.
واختَلَفَت القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ بالخفضِ (ونصفِه وثلثِه) (١). بمعنى: وأدنى مِن نصفِه وثلثِه. أي: إنكم لم تُطِيقوا العملَ بما افتَرَض عليكم مِن قيامِ الليلِ، فقوموا أدنى مِن ثلثى الليلِ ومن نصفه وثلثِه. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ بالنصبِ (٢). بمعنى: إنك (٣) تقومُ أدنى مِن ثلثى الليلِ، وتقومُ نصفَه وثلثَه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾. يعني: مِن أصحابِ رسول الله ﷺ الذين كانوا مؤمنين باللهِ حينَ فُرِضَ عليهم قيامُ الليلِ.

