Commentaries: 3 shown of 12 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ هؤلاءِ النفرِ مِن الجنِّ: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾. يعنى أنَّ الرجالَ من الجنِّ ظنُّوا كما ظنَّ الرجالُ من الإنسِ أنْ لن يَبْعَثَ اللهُ أحدًا رسولًا إلى خَلْقِه، يدعوهم إلى توحيدِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن الكلْبيِّ: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا
[— بداية ص ٢٣/ ٣٢٧، page_id=15661 —]
ظَنَنْتُمْ﴾: ظَنَّ كفارُ الجنِّ كما ظنَّ كفرةُ الإنسِ أنْ لن يبعثَ اللهُ رسولًا (١).
وقولُه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾. يقولُ ﷿ مخبرًا عن قيلِ هؤلاء النفرِ: وأنا طَلَبْنا السماءَ وأركانَها (٢)، ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ﴾. يقولُ: فوجَدْناها قد (٣) مُلِئَتْ ﴿حَرَسًا شَدِيدًا﴾. يعني حفظةً (٤)، ﴿وَشُهُبًا﴾. وهى جمعُ شِهابٍ، وهى النُّجومُ التى كانت تُرْجَمُ بها الشياطينُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: كانت الجنُّ تستمِع، فلما رُجِموا قالوا: إنَّ هذا الذي حدَث في السماءِ لشيءٍ حدَث في الأرضِ. قال: فذهبوا يَطْلُبون حتى رأَوْا النبيَّ ﷺ خارجًا من سوقِ عُكاظٍ يُصلى بأصحابِه الفجرَ، فذهَبوا إلى قومِهم مُنْذِرِينَ (٥).
يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا ﷺ وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء مُلئت حرسًا شديدًا، وحُفَّت من سائر أرجائها، وطُردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة فيلتبس الأمر ويختلط ولا يُدرى مَن الصادق، وهذا من لطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه
[— بداية ص ٧/ ٣٩٦، page_id=4393 —]
العزيز، ولهذا قال الجنُّ: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ أي: من يروم أن يسترق السمع يجد له شهابًا مرصدًا له لا يتخطاه ولا يتعداه بل يمحقه اليوم ويهلكه.
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ أي: ما ندري هذا الأمر الذي قد حدث في السماء، لا ندري أشرُّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا؟ وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشرَّ إلى غير فاعل والخير أضافوه إلى الله ﷿.
وقد ورد في الصحيح: "والشرُّ ليس إليك" (١) وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير بل في الأحيان بعد الأحيان، كما في حديث [ابن عباس] (٢): بينما نحن جلوس مع رسول الله ﷺ إذ رُمي بنجم فاستنار فقال: "ما كنتم تقولون في هذا؟ " فقلنا: كنا نقول يولد عظيم، يموت عظيم فقال: "ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء" (٣) وذكر تمام الحديث وقد أوردناه في سورة سبأ بتمامه، وهذا هو السبب الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله ﷺ يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حُفظت من أجله السماء، فآمن من آمن منهم وتمَّرد في طغيانه من بقي كما تقدم حديث ابن عباس في ذلك عند قوله في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ الآية [٢٩].
ولا شك أنه لما حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها، هال ذلك الإنس والجن وانزعجوا له وارتاعوا لذلك، وظنوا أن ذلك لخراب العالم، كما قال السدي: لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر، فكانت الشياطين قبل محمد ﷺ قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر، فلما بعث الله محمدًا ﷺ نبيًا رسولًا رجموا ليلة من الليالي ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا: هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشُهب، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم، فقال لهم عبد ياليل بن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة يعني: محمدًا ﷺ، وإن نظرتم فلم تروها فقد هلك أهل السماء، فنظروا فرأوها فكفُّوا عن أقوالهم وفزعت الشياطين في تلك الليلة، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمُّها، فأتوه فشمَّ فقال: صاحبكم بمكة، فبعث سبعة نفر من جن نصيبين (٤) فقدموا مكة فوجدوا نبي الله ﷺ قائمًا يصلي في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصًا على القرآن حتى كادت كلاكلهم تصيبه، ثم أسلموا فأنزل الله تعالى أمرهم على رسوله ﷺ (٥).
قوله ﷿: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ قد ذكرنا سبب نزول هذه الآية في (الأحقاف) «١» وبَيَّنَّا هنالك سبب استماعهم. ومعنى «النّفر» وعددهم، فأمّا قوله ﷿: قُرْآناً عَجَباً فمعناه: بليغاً يعجب منه لبلاغته يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ أي: يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أي: لن نعدل بربنا أحداً من خلقه. وقيل: عنوا إبليس، أي: لا نطيعه في الشرك بالله.
قوله ﷿: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا اختلف القراء في اثنتي عشرة همزة في هذه السورة، وهي:
«وأنه تعالى» ، «وأنه كان يقول» ، «وأنا ظننا» ، «وأنه كان رجال» ، «وأنهم ظنوا» ، «وأنا لمسنا» ، «وأنا كنا» ، «وأنا لا ندري» ، «وأنا منا» ، «وأنا ظننا أن لن نعجز الله» ، «وأنا لمّا سمعنا» ، «وأنّا منّا» ، ففتح
[— بداية ص ٤/ ٣٤٧، page_id=2109 —]
الهمزة في هذه المواضع ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة مواضع «وأنه تعالى» ، «وأنه كان يقول» ، «وأنه كان رجال» ، وكسر الباقيات. وقرأ الباقون بكسرهن. وقال الزجاج: والذي يختاره النحويون في هذه السورة أن ما كان من الوحي قيل فيه:
«أن» بالفتح، وما كان من قول الجن قيل: «إن» بالكسر، معطوف على قوله ﷿: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً وعلى هذا يكون المعنى: وقالوا: إنه تعالى جَدُّ ربنا، وقالوا: إنه كان يقول سفيهنا. فأما من فتح، فذكر بعض النحويين: يعني الفراء، أنه معطوف على الهاء في قوله ﷿: فَآمَنَّا بِهِ وبأنه تعالى جَدُّ رَبِّنا. وكذلك ما بعد هذا. وهذا رديء في القياس، لا يعطف على الهاء المتمكّنة المخفوضة إلا بإظهار الخافض. ولكن وجهه أن يكون محمولاً على معنى أمنَّا به، فيكون المعنى: وصدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ رَبِّنا.
وللمفسرين في معنى تَعالى جَدُّ رَبِّنا سبعة أقوال: أحدها: قُدْرَةُ رَبِّنا، قاله ابن عباس. والثاني:
والمعنى: ظنناهم صادقين في قولهم: لله صاحبة وولد، وما ظننَّاهم يكذبون حتى سمعنا القرآن، يقول الله ﷿: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ وذلك أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال: أعوذ بِسِّيدِ هذا الوادي من شَرِّ سُفَهَاءِ قومه، فيبيت في جِوارٍ منهم حتى يصبح.
(١٤٩٢) ومنه حديث كردم بن أبي السائب الأنصاري، قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذُكِرَ رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حملاً من الغنم، فوثب الراعي فنادى: يا عامر الوادي جارك، فنادى منادٍ لا نراه: يا سرحان أرسله. فإذا الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة، فأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ الآية.
Footnotes are the editor's words, not the author's.