تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ ﷿: ليس الأمرُ كما يَطْمَعُ فيه هؤلاء الكفارُ من أن يُدْخَلَ كلُّ امرئٍ منهم جنةَ نعيمٍ.
وقولُه: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: إنا خَلَقْناهم من مَنِىٍّ قذرٍ، وإنما يَسْتَوجِبُ دخولَ الجنةِ مَن يَسْتَوجِبُه منهم بالطاعةِ، لا بأنه مخلوقٌ، فكيفَ يَطْمَعون في دخول الجنة وهم عصاةٌ كفرةٌ؟!
وقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾: إنما خُلِقتَ من قذَرٍ يا بنَ آدمَ، فاتَّقِ اللهَ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلا أُقْسِمُ بربِّ مشارق الأرض ومغاربها، ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.
يقول: إنا لقادرون على أن نُهْلِكَهم ونَأْتي بخيرٍ منهم من الخلقِ، يُطيعونني، ولا يَعْصُونني، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وما يَفُوتُنا منهم أحدٌ بأمرٍ نُريدُه منه، فيُعجِزَنا هربًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
[— بداية ص ٢٣/ ٢٨٣، page_id=15617 —]
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوب بنْ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ علية، قال: أَخْبَرَنَا عمارةُ بنُ أبى حفصة، عن عكرمة، قال: قال ابن عباسٍ: إن الشمسَ تَطْلُعُ كُلَّ سنةٍ في ثلاثمائةٍ وستينَ كَوَّةً؛ تَطْلُعُ كلَّ يومٍ فى كَوَّةٍ، لا تَرْجِعُ إلى تلك الكوَّةِ إلى ذلك اليوم من العامِ المقبل، ولا تَطْلُعُ إلا وهى كارهةٌ، تقول: ربِّ لا تُطلعني على عبادك، فإني أراهم يَعْصُونك، يَعْمَلون بمعاصِيك أراهم. قال: أو لم تسْمعوا إلى قول أمية بن أبي الصلت (١):
حتى تُجَرَّ وتُجْلَدَ
قلتُ: يا مولاه، وتُجلد الشمس؟ فقال: عَضِضتَ بِهَنِ أَبيك، إنما اضطرَّه الرَّوِىُّ إلى الجلْدِ (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى ابنُ عمارة، قال: أَخْبَرَنَا عمارة، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾. قال: إِنَّ الشمسَ تَطْلُعُ مِن ثلاثمائةٍ وستِّين مَطْلِعًا؛ تَطْلُعُ كلَّ يومٍ مِن مَطلعِ لا تعودُ فيه إلى قابلٍ، ولا تَطْلُعُ إلا وهى كارهةٌ. قال عكرمة: فقلتُ له: قد قال الشاعرُ:
حتى تُجَرَّ وتُجْلَدَ
قال: فقال ابنُ عباسٍ: عَضِضْتَ بِهَنِ أَبِيكَ، إنما اضْطَرَّه الرَّوِيُّ.
حدَّثنا خلَّادُ بن أسلم، قال: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، قال: أَخْبَرَنَا شعبةُ، قال: أَخْبَرَنَا عمارةُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: إنَّ الشمسَ تَطْلُعُ في ثلاثمائةٍ وستِّين كوَّةً،