تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾.
[يقولُ تعالى ذكرُه] (٢): ثم بعَثنا من بعدِ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ موسَى بنَ عمرانَ - والهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. هي كنايةُ ذكرِ الأنبياءِ ﵈ التي ذُكِرت من أولَ هذه السورةِ إلى هذا الموضعِ - ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: بحُججِنا وأدلَّيِنا ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾. يعنى: وإلى جماعةِ قومِ (٣) فرعونَ مِن الرجالِ، ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾. يقولُ: فكفَروا بها. والهاءُ والألفُ اللتان في قولِه: ﴿بِهَا﴾ عائدتان على "الآياتِ". ومعنى ذلك: فظلَموا بآياتِنا التي بعَثنا بها موسى إليهم. وإنما جازَ أنْ يقالَ: فظلَموا بها. بمعنى: كفَروا بها؛ لأنَّ الظلمَ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضِعِه - وقد دلَّلنا فيما مضَى على أن ذلك معناه بما يُغْنى عن إعادتِه (٤) - والكفرُ بآياتِ اللهِ وضعٌ لها في غيرِ موضعِها، وصرفٌ لها إلى غيرِ وجهِها الذي عُنِيتُ به، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقول جل ثناؤه لنبيه محمدٍ ﷺ: فانظُر يا محمدُ بعينِ قلبِك كيف كان عاقبةُ هؤلاء الذين أفسدوا في الأرضِ. يعنى: فرعونَ وملأَه إذ ظلَموا بآياتِ اللَّهِ التي جاءهم بها
ص ١٠/ ٣٤٢
موسى ﵇، وكان عاقبتُهم أنّهم غرِقوا جميعًا في البحرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾.
يقولُ جلّ ثناؤُه: وقال موسى لفرعونَ: يا فرعونُ إنى رسولٌ إليك مِن ربِّ العالمين.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾.
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾؛ فقرَأه جماعةٌ مِن قرأةِ المكيين والمدنيين والبصرةِ والكوفةِ: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾. بإرسالِ الياءِ مِن ﴿عَلَى﴾، وتركِ تشديدِها (١)، بمعنى: أنا حقيقٌ بألَّا أقولَ علَى اللَّهِ إِلَّا الحقَّ. فوجَّهوا معنى ﴿عَلَى﴾ إلى معنى الباءِ، كما يقالُ: رميتُ بالقوسِ، وعلى القوسِ، وجئتُ على حالٍ حسنةٍ وبحالٍ حسنةٍ.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العرب يقولُ (٢) إذا قُرِئَ ذلك كذلك: فمعناه: حريصٌ على ألا أقولَ، [ومُحِقٌّ ألا أقولَ] (٣).
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ المدينةِ: (حَقِيقٌ عَلَيَّ أَن لا أَقُول) (٤). بمعنى: واجبٌ عليَّ ألا أقولُ، وحقٌّ عليَّ ألا أقولَ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنَّهما قراءتان مشهورتان متقارِبَتا المعنى، قد قرَأ

