تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالَوْا إلى رسولِ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لكم، ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾. يقولُ: حرَّكوها وهزُّوها؛ استهزاءً برسولِ اللَّهِ ﷺ وباستغفارِه. وبتشديدِ الواوِ مِن ﴿لَوَّوْا﴾ قرَأَت القرأةُ، على وجهِ الخبرِ عنهم أنهم كرَّوا هزَّ رءوسِهم وتحريكَها وأكْثَروا، إلا نافعًا فإنه قرَأ ذلك بتخفيفِ الواوِ: (لوَوْا) على وجهِ أنهم فعَلوا ذلك مرةً واحدةً (٢).
والصوابُ مِن القول في ذلك قراءةُ مَن شدَّد الواوَ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. وقولُه: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ورأيْتَهم يُعْرِضون عما دُعُوا إليه بوجوهِهم، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ: وهم مُسْتَكْبِرون
[— بداية ص ٢٢/ ٦٥٥، page_id=15320 —]
عن المصيرِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ليستغفرَ لهم.
وإنما عُنِي بهذه الآياتِ كلِّها، فيما ذُكِر، عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ؛ وذلك أنه قال لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ حتى يَنْفَضُّوا. وقال: لئن رجعنَا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. فسمِع بذلك زيدُ بنُ أرقمَ، فأخبَر به رسولَ اللَّهِ ﷺ، فدعاه رسولُ اللَّهِ ﷺ، فسأَله عما أُخْبِر به عنه، فحلَف: إنه ما قاله، وقيل له: لو أتَيْتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فسأَلْتَه أن يستغفِرَ لك. فجعَل يَلْوِي رأسَه، ويحرِّكُه استهزاءً، ويعني بذلك أنه غيرُ فاعلٍ ما أشاروا به عليه، فأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فيه هذه السورةَ، من أولِها إلى آخرِها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الأخبار.
ذكرُ الرواية التي جاءت بذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: خرَجْتُ مع عمي (١) في غَزاةٍ، فسمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سَلُولَ يقولُ لأصحابِه: لا تُنْفِقوا على مَن عندَ رسولِ اللَّهِ حتى يَنفَضُّوا، لئن رجَعْنا إلى المدينةِ ليخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ. قال: فذكَرْتُ ذلك لعمي، فذكَره عمي لرسولِ اللَّهِ ﷺ، فأرْسَل إليَّ، فحدَّثْتُه، فأرْسَل إلى عبدِ اللَّهِ عليًّا ﵁ وأصحابِه، فحلَفوا: ما قالوا. فكذَّبني رسولُ اللَّهِ ﷺ وصدَّقه. فأصابني همٌّ لم يُصِبْني مثلُه قطُّ، فدخَلْتُ البيتَ، فقال لي عمي: ما أردتَ إلى (٢) أن كذَّبك رسولُ اللَّهِ ﷺ ومقَتَك. قال: حتى أنْزَل اللَّهُ ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكَ