تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: سبَّحَ للهِ ما في السماوات السبعِ، وما في الأرضِ من الخلقِ، مُذْعِنين له بالأُلوهةِ والربوبيةِ، وهو العزيزُ في نقمتِه ممن عصاه منهم، فكفَر به، وخالَف أمرَه، الحكيمُ في تدبيرِه إياهم.
وقولُه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين (١) صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، لمَ تَقُولون القولَ الذي لا تُصَدِّقونه بالعملِ؟ فأعمالُكم مخالفةٌ، أقوالَكم، ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: عظُم مقتًا عندَ ربِّكم قولُكم ما لا تَفْعَلون.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه أُنْزِلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: أُنْزِلت توبيحًا مِن اللَّهِ لقومٍ من المؤمنين، تمنَّوْا معرفةَ أفضلِ الأعمالِ، فعرَّفهم اللَّهُ إياه، فلمَّا عرَفوا قصَّروا، فعُوتِبوا بهذه الآيةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال: كان ناسٌ مِن المؤمنين قبلَ أن يُفْرَضَ الجهادُ يقولون: لَودِدْنا أن اللَّهَ دلَّنا على أحبِّ الأعمالِ إليه
ص ٢٢/ ٦٠٧
فنَعْمَلُ به، فأخْبَر اللَّهُ نبيَّه أن أحبَّ الأعمالِ إليه إيمانٌ باللَّهِ لا شكَّ فيه، وجهادُ أهلِ معصيتِه الذين خالَفوا الإيمانَ ولم يُقِرُّوا به، فلما نزَل الجهادُ كرِه ذلك أناسٌ من المؤمنين، وشقَّ عليهم أمرُه، فقال اللَّهُ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. قال: كان قومٌ يقولون: واللَّهِ لو أنا نَعْلَمُ ما أحَبُّ الأعمالِ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناه. فأنْزَل اللَّهُ على نبيِّه ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. فدلَّهم على أحبِّ الأعمالِ إليه (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ جُحَادةَ، عن أبى صالحٍ، قال: قالوا: لو كنا نَعْلَمُ أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللَّهِ وأَفضلُ؟ فنزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]. فكرِهوا، فنزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿مَرْصُوصٌ﴾. فيما بينَ

