تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فقد كذَّب هؤلاء العادلون بالله الحقَّ لمَّا جاءَهم. وذلك الحقُّ هو محمدٌ ﷺ، كذَّبوا به، وجحَدوا نبوَّتَه لما جاءهم. قال الله لهم مُتَوَعِّدًا على تكذيبِهم إياه، وجُحودِهم نبوتَه: سوف يَأْتِى المكذِّبين بك يا محمدُ مِن قومِك وغيرهم ﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: سوف يَأْتِيهم أخبارُ استهزائِهم بما كانوا به يَسْتَهْزِئون من آياتى وأدلَّتى التي آتَيْتُهم. ثم وفَى لهم بوعيدِه لمَّا تمادَوْا في غيِّهم، وعتَوْا على ربِّهم، فقتَلَهم يومَ بدرٍ بالسيفِ.
القولُ في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم يَرَ هؤلاء المكذِّبون بآياتي، الجاحِدون نبوتَك، كثرةَ مَن أَهْلَكْتُ مِن قبلِهم من القُرونِ، وهم الأممُ الذين وطَّأْتُ لهم البلادَ والأرضَ تَوْطِئَةً لم أُوَطِّئْها لهم، وأعْطَيْتُهم فيها ما لم أُعْطِهم؟
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ،
[— بداية ص ٩/ ١٥٧، page_id=6190 —]
عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾. يقولُ: أَعْطَيْناهم ما لم نُعْطِكم (١).
قال أبو جعفرٍ: أمْطَرَت فَأَخْرَجَت لهم الأشجارُ ثمارَها، وأعْطَتهم الأرضُ رَيْعَ نَباتِها، وجابوا صخورَ جبالِها، ودرَّت عليهم السماءُ بأمْطارِها، وتفَجَّرَت مِن تحتهم عيونُ المياهِ بيَنابيعِها بإذنى، [فغمَطُوا نعمة] (٢) ربِّهم، وعصَوْا رسولَ خالِقهم، وخالَفوا أمْرَ بارئِهم، وبغَوْا حتى حقَّ عليهم قَوْلى، فأَخَذْتُهم بما اجتَرَحوا مِن ذنوبِهم، وعاقَبْتُهم بما اكْتَسَبَت أيديهم، وأهْلَكْتُ بعضَهم بالرَّجْفة، وبعضَهم بالصَّيْحةِ، وغير ذلك من أنواعِ العذابِ.
ومعنى قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾. المطرَ. ويعنى بقوله: ﴿مِدْرَارًا﴾. غزيرةً دائمةً، ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾. يقولُ: وأَحْدَثْنا مِن بعدِ الذين أهلَكْناهم قرنًا آخرين، فابْتَدأنا سِواهم.
فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قولِه: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾. ومَن المُخاطَبُ بذلك، فقد ابْتَدَأَ الخبرَ في أوّلِ الآية عن قومٍ غَيبٍ بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾.
قيل: إن المخاطَبَ بقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾. هو المُخبَرُ عنهم بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾. ولكن في الخبر معنى القول، ومعناه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء القوم الذين كذَّبوا بالحقِّ لمَّا جاءهم: أَلم يَرَوْا كم أَهْلَكْنَا مِن قبلِهم مِن قَرْنٍ مَكَّناهم في الأرض ما لم نُمكِّن لكم. والعربُ إذا أخْبَرَت خبرًا عن غائبٍ