تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾.
يعني تعالى ذَكرُه بقولِه: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: فاسْتُؤْصِل القومُ الذين عَتَوْا على ربِّهم، وكذَّبوا رسلَه، وخالَفوا أمْرَه، عن آخرِهم، فلم يُتْرَكْ منهم أحدٌ إلا أُهْلِك بَغْتَةً إِذ جاءهم عذابُ اللَّهِ.
وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ: فقُطِع أصلُ الذين ظلموا (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. قال: اسْتُؤْصِلوا (٢).
ودابرُ القومِ الذي يَدْبُرُهم، وهو الذي يَكونُ في أَدْبارِهم وآخرِهم، يقالُ في الكلامِ: قد دَبَر القومَ فلانٌ يَدْبُرُهم دَبَّرًا ودبورًا. إذا كان آخرهم، ومنه قولُ أميةَ (٣):
فأُهْلِكوا بعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم (٤) … فما اسْتَطاعوا له صَرْفًا ولا انْتَصَروا
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: والثناءُ الكاملُ والشكرُ التامُّ لله ربِّ العالمين على إنعامِه على رسلِه وأهلِ طاعتِه، بإظهارِ حُجَجهم على مَن خَالَفَهم مِن أهلِ الكفرِ، وتحقيقِ عِدَاتِهم (٥) ما وعَدَهم على كفرِهم بالله، وتكذيبهم رسلَه، من
[— بداية ص ٩/ ٢٥١، page_id=6284 —]
نِقَمِ اللَّهِ وعاجلِ عذابِه.
القولُ في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بيَ الأوثانَ والأصنامَ، المكذِّبين بك: أرأَيْتُم أيُّها المشركون بالله غيرَه إِن أَصَمَّكم الله فذهَب بأسماعِكم، وأعْماكم فذهبَ بأبصارِكم، وختَم على قلوبِكم، فطبَع عليها حتى لا تَفْقَهوا قولًا، ولا تُبصروا حُجَّةً، ولا تَفْهَموا مفهومًا، أيُّ إلهٍ غيرُ الله الذي له عِبادةُ كلِّ عابدٍ ﴿يَأْتِيكُمْ بِه﴾. يقولُ: يَرُدُّ عليكم ما ذهَب الله به منكم مِن الأسْماعِ والأبْصارِ والأفهامِ، فتَعْبُدوه أو تُشْرِكوه في عبادةِ ربِّكم الذي يَقْدِرُ على [ذَهابِه بذلك] (١) منكم، وعلى ردِّه عليكم إذا شاء؟
وهذا من الله تعالى ذكره تَعْليمٌ (٢) نبيَّه الحجةَ على المشركين به، يقولُ له: قلْ لهم: إن الذين تَعْبُدُونهم مِن دونِ اللهِ لا يَمْلِكون لكم ضَرًّا ولا نفعًا، وإنما يَسْتَحِقُّ العبادةَ عليكم مَن كان بيدِه الضرُّ والنفعُ، والقبضُ والبَسْطُ، القادرُ على كلِّ ما أراد، لا العاجزُ الذي لا يَقْدِرُ على شيءٍ.
ثم قال تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾. يقولُ: انْظُرْ كيف نُتابعُ عليهم الحُجَجَ، ونَضْرِبُ لهم الأمثالَ والعِبَرَ؛ ليَعْتَبِروا ويذكروا فيُنيبوا. ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾. يقولُ: ثم هم مع مُتابَعتِنا عليهم الحججَ، وتَنْبِيهِنا إياهم بالعِبَرِ، عن الادِّكارِ والاعْتبارِ يُعْرِضون.