تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: آمِنوا باللَّهِ أيُّها الناسُ، فأَقِرُّوا بوحدانيتِه وبرسولِه محمدٍ ﷺ، فصَدِّقوه فيما جاءَكم به من عندِ اللَّهِ واتَّبِعوه، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَنْفِقوا مما خوَّلكم اللَّهُ من المالِ الذي أورَثكم عمَّن كان قبلَكم، فجعَلكم خُلفاءَهم فيه - في سبيلِ اللَّهِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. قال: المعَمَّرِين فيه بالرزقِ (١).
وقولُه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا﴾. يقولُ: فالذين آمَنوا باللَّهِ ورسولِه منكم أيُّها الناسُ وأنفَقوا - مما خوَّلهم اللَّهُ عمَّن كان قبلَهم، ورزَقهم من المالِ - في سبيلِ اللَّهِ، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. يقولُ: لهم ثوابٌ عظيمٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾: وما شأنُكم أيُّها الناسُ لا تُقِرُّون بوحدانيةِ اللَّهِ، ورسولُه محمدٌ ﷺ يَدْعُوكم إلى الإقرارِ بوحدانيتِه، وقد
[— بداية ص ٢٢/ ٣٩٠، page_id=15055 —]
أتاكم من الحججِ على حقيقةِ ذلك ما قطَع عُذرَكم، وأزال الشكَّ من قلوبِكم، ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾. قيل: عُنِي بذلك: وقد أخَذ منكم ربُّكم ميثاقَكم في صُلْبِ آدمَ، بأن اللَّهَ ربُّكم، لا إلهَ لكم سِواه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾. قال: في ظهرِ آدمَ (١).
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ غيرَ أبي عمرٍو: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾، بفتحِ الألفِ من ﴿أَخَذَ﴾ ونصب "الميثاقِ"، بمعنى: وقد أخَذ ربُّكم ميثاقَكم. وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (وقد أُخِذ ميثاقُكم) بضمِّ الألفِ ورفعِ الميثاقِ، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٢)
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كان فتحُ الألفِ من ﴿أَخَذَ﴾ ونصبُ "الميثاقِ" أعجبَ القراءتين إليَّ في ذلك؛ لكثرةِ القرَأةِ بذلك، وقلةِ القرَأةِ بالقراءةِ الأخرى.
وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم تُرِيدون أن تُؤْمِنوا باللَّهِ يومًا من الأيامِ، فالآن أحرَى الأوقاتِ أن تُؤْمِنوا؛ لتتابُعِ الحُجَجِ عليكم بالرسولِ وأعلامِه، ودعائِه إيَّاكم إلى ما قد تقرَّرت صحتُه عندَكم بالأعلامِ والأدلةِ والميثاقِ المأخوذِ عليكم.