تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو الذي أنْشَأ السماواتِ السبعَ والأرَضينَ، فدبَّرهن وما فيهن، ثم اسْتَوَى على عرشِه، فارْتَفع عليه وعلا.
وقولُه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن صفتِه، وأنه لا يَخْفَى عليه خافيةٌ مِن خلقِه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ مِن خلقِه. يعني بقولِه: ﴿يَلِجُ﴾ يَدْخُلُ، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ منهم (١)، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى الأرضِ مِن شيءٍ قطُّ، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فَيَصْعَدُ إليها مِن الأَرضِ، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾. يقولُ: وهو شاهدٌ لكم أيُّها الناسُ أينما كنتم يَعْلَمُكم، ويَعْلَمُ أعمالَكم ومُتَقَلَّبَكم ومَثْواكم، وهو على عرشِه فوقَ سماواتِه السبعِ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بأعمالِكم التي تَعْمَلونها مِن حسَنٍ وسَيِّئٍ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، ذو بصرٍ، وهو لها مُحْصٍ؛ ليُجازِيَ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه يومَ تُجزَى كلُّ نفسٍ بما كسَبت، وهم لا يُظلَمون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: له سلطانُ السماواتِ والأرضِ، نافذٌ في جميعِهنَّ وفي جميعِ ما فيهنَّ أمرُه، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإلى اللَّهِ مصيرُ أمورِ جميعِ خلقِه، فيَقْضِي بينهم بحُكْمِه.
وقولُه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾. يعني بقولِه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾. يُدْخِلُ ما نقَص من ساعاتِ الليلِ في النهارِ، فيَجْعَلُه زيادةً في ساعاتِه. ﴿وَيُولِجُ
[— بداية ص ٢٢/ ٣٨٨، page_id=15053 —]
النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. يقولُ: ويُدْخِلُ ما نقَص من ساعاتِ النهارِ في الليلِ، فيَجْعَلُه زيادةً في ساعاتِه (١).
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
وقد ذكَرنا الروايةَ بما قالوا فيما مضَى من كتابِنا هذا (٢)، غيرَ أنَّا نَذْكُرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نَذْكُرْ هنالك إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: قِصَرُ هذا في طولِ هذا، وطولُ هذا في قِصَرِ هذا.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: دخولُ الليلِ في النهارِ، ودخولُ النهارِ في الليلِ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: قِصَرُ أيامِ الشتاءِ في طولِ ليلِه، وقِصَرُ ليالي (٣) الصيفِ في طولِ نهارِه.
وقولُه: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ: وهو ذو علمٍ بضمائرِ صدورِ عبادِه، وما عزَمَت عليه نفوسُهم من خيرٍ أو شرٍّ، أو حدَّثتْ بهما (٤) أنفسُهم، لا يَخْفى عليه من ذلك خافيةٌ.