تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. وقرَأ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] قال: أعمالَكم.
وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه قال: هذه الآيةُ منسوخةٌ.
[ذكرُ الرواية بذلك عنه] (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. قال: فأنزَل اللَّهُ بعدَ هذا: (والذين آمَنوا و [أتْبَعناهم ذُرِّيَّاتِهم] (٢) بإيمانٍ ألْحَقْنا بهم ذُرِّيَّاتِهم) [الطور: ٢١]. فَأَدْخَل اللهُ الأبناءَ بصلاحِ الآباء الجنةَ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنَّ عملَ كلِّ عاملٍ سوف يَراه يومَ القيامةِ مَن وَرَد القيامةَ، بالجزاءِ الذي يُجازَى عليه؛ خيرًا كان أو شرًّا، لا يُؤْخَذُ (٤) بعقوبةِ ذنبٍ غيرُ عاملِه، ولا يُثابُ على صالحِ عملٍ (٥) عاملٌ غيرُه. وإنما عَنَى بذلك الذي رجَع عن إسلامِه، بضمانِ
[— بداية ص ٢٢/ ٨١، page_id=14746 —]
صاحبِه له أن يَتَحمَّلَ عنه العذابَ، أن ضمانَه ذلك لا ينفعُه، ولا يُغنى عنه يومَ القيامةِ شيئًا؛ لأنَّ كلَّ عاملٍ فبعملِه مأخوذٌ.
وقولُه: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم (١) يُثابُ بسَعْيِه ذلك الثوابَ الأَوْفى. وإنما قال جلّ ثناؤُه: ﴿الْأَوْفَى﴾؛ لأنه أَوْفى ما وعَد خَلْقَه عليه مِن الجزاءِ. والهاءُ في قولِه: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾. مِن ذكرِ "السَّعْيِ"، وعليه عادَت.
وقولُه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأنّ إلى ربِّك يا محمدُ انتهاءَ جميعِ خَلْقِه ومرجِعَهم، وهو المُجازِي جميعَهم بأعمالِهم؛ صالحَهم وطالحَهم، ومُحسنَهم ومُسيئَهم.
وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنّ ربَّك هو أَضْحَكَ أهلَ الجنةِ في الجنةِ؛ بدخولِهم إياها، وأَبْكى أهلَ النارِ في النارِ؛ بدخولِهموها، وأَضْحَك مَن شاء مِن أهل الدنيا، وأَبْكى من أراد أن [يُبْكيَه منهم] (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأنه هو أمات مَن مات (٣) مِن خَلْقِه، وهو أحيا مَن حَيِيَ (٤) منهم.
وعَنى بقولِه: ﴿وَأَحْيَا﴾ نفخَ الرُّوحِ في النطفةِ المَيِّتةِ، فجعَلها حيةً بتصييرِه