تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾.
وهذا مِن اللهِ تعالى ذكرُه احْتجاجٌ (١) لنبيِّه محمدٍ ﷺ على فِرَقِ النصارى في قولِهم في المسيحِ، يقولُ مُكَذِّبًا لليَعْقوبيةِ في قِيلِهم: هو اللهُ. والآخرين في قيلِهم: هو ابن اللهِ: ليس القولُ كما قال هؤلاء الكفَرةُ في المسيحِ، ولكنه ابن مريمَ، ولَدَته وِلادةَ الأمهاتِ أبناءَهن، وذلك مِن صفةِ البشرِ، لا مِن صفةِ خالقِ البشرِ، وإنما هو للهِ رسولٌ كسائرِ رسلِه الذين كانوا قبلَه، فمضَوْا وخَلَوْا، أَجْرَى على يدِه ما شاء أن يُجْرِيَه عليها من الآياتِ والعِبَرِ؛ حجةً له على صدقِه، وعلى أنه للهِ رسولٌ إلى مَن أرْسَله إليه مِن خلقِه، كما أجْرَى على أيدى مَن قبلَه مِن الرسلِ من الآياتِ والعبرِ، حجةً لهم على حقيقةِ صدقِهم في أنهم للهِ رسلٌ.
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأمُّ المسيحِ صِدِّيقةٌ. والصِّدِّيقةُ الفِعِّيلةُ مِن الصدقِ، وكذلك قولُهم: فلانٌ صِدِّيقٌ. فِعِّيلٌ مِن الصدقِ، ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: ٦٩]. وقد قيل: إن أبا بكرٍ الصديقَ ﵁ إنما قيل له: الصِّدِّيقُ لصدقِه. وقد قيل: إنما سُمِّى صِدِّيقًا لتصديقِه النبيَّ ﷺ في مسيرِه في ليلةٍ واحدةٍ إلى بيت المقدسِ مِن مكةَ وعودِه إليها.
وقولُه: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾. خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن المسيحِ وأمِّه، أنهما كانا أهلَ حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتَقُومُ بِهِ أَبْدانُهما، مِن المَطاعمِ
ص ٨/ ٥٨٣
والمَشاربِ، كسائرِ البشرِ من بنى آدمَ، فإن مَن كان كذلك فغيرُ كائنٍ إلهًا؛ لأن المحتاجَ إلى الغذاءِ قِوَامُه بغيرِه، وفى قِوامِه بغيرِه وحاجتِه إلى ما يُقِيمُه دليلٌ واضحٌ على عجزِه، والعاجزُ لا يكونُ إلا مربوبًا لا ربًّا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ﴾ لهؤلاء الكَفَرة من اليهودِ والنصارى ﴿الْآيَاتِ﴾ وهى الأدلةُ والأعلامُ والحُجَجُ على بُطُولِ ما يَقُولون في أنبياءِ اللهِ، وفى فِرْيتِهم على اللهِ، وادِّعائِهم له ولدًا، وشَهادَتِهم لبعضِ خلقِه بأنه لهم ربٌّ وإلهٌ، ثم لا يَرْتَدعون عن كذبِهم وباطلِ قِيلِهم، ولا يَنْزَجِرون عن فِرْيتِهم على ربِّهم وعظيمِ جهلِهم، مع ورُودِ الحُجج القاطعةِ عذرَهم عليهم، يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿ثُمَّ انْظُرْ﴾ يا محمدُ، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: ثم انْظُرْ مع تَبْيينِنا لهم آياتنِا على بُطولِ قولِهم، أيَّ وجهٍ يُصْرَفون عن بيانِنا الذي نُبَيِّنُه (١) لهم؟ وكيف عن الهُدَى الذي نَهْدِيهِم إِليه مِن الحَقِّ يَضِلُّون؟
والعربُ تقولُ لكلِّ مَصْروفٍ عن شيءٍ: هو مَأْفُوكٌ عنه. يقالُ: قد أفكْتُ فلانًا عن كذا، أي: صرفْتُه عنه، فأنا آفِكُه أَفْكًا، وهو مَأْفُوكٌ، وقد أُفِكَت الأرضُ، إذا صُرِف عنها المطرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾.

