تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾.
اخْتَلَفَت القَرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ فقرَأَتها قَرَأَةُ أَهلِ المدينةِ: (فيُصبحوا على ما أسَرُّوا في أنفسهم نادمين يقولُ الذين آمَنُوا أهؤلاء الذين أقسَمُوا باللَّهِ). بغيرِ واوٍ (٢).
وتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: فيُصْبحُ المنافقون إذا أَتَى اللَّهُ بالفتحِ أو أمْرٍ مِن عندِه، على ما أسَرُّوا في أنفسهم نادمين، يقولُ المؤمنون تَعَجُّبًا منهم ومِن نفاقِهم وكذبِهم واجْتِرائِهم على اللَّهِ في أيْمانهم الكاذبةِ باللَّهِ: أهؤلاء الذين أقْسَموا لنا باللَّهِ إنهم لمعنا وهم كاذبون في أيْمانهم لنا.
وهذا المعنى قصَد مجاهدٌ في تأويلِه ذلك الذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾: حينَئذٍ (يقولُ الذين آمَنوا أهؤلاء أقسَموا باللهِ جهدَ أيمانهم إنَّهم لمعكم حبطَت أعمالُهم فأصبحَوا خاسرين) (٣).
ص ٨/ ٥١٦
وكذلك ذلك في مَصاحِفِ أهلِ المدينة بغيرِ واوٍ (١).
وقرَأ ذلك بعضُ البصريين: (وَيَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا) بالواوِ ونصبِ "يقولَ" (٢) عطفًا به على ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. وذكر قارئُ ذلك أنه كان يَقولُ: إنما أُريدُ بذلك: فعسى اللَّهُ أن يَأْتِىَ بالفتحِ، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا. ومُحالٌ غيرُ ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يُقالَ: وعسى اللَّهُ أن يقول الذين آمنوا. وكان يقولُ: ذلك نحوُ قولِهم: أكَلْتُ خبزًا ولبنًا. وكقولِ الشاعرِ (٣):
ورأيْتِ زوجَكِ في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحا
فتأويل الكلام على هذه القراءةِ: فعسى اللَّهُ أن يَأْتِيَ بالفتحِ المؤمنين، أو أَمْرٍ مِن عندِه يُدِيلُهم به على أهلِ الكفر مِن أعدائِهم، فيُصْبحَ المنافقون على ما أسَرُّوا في أنفسِهم نادمين، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا حينَئذٍ: هؤلاء الذين أَقْسَمُوا باللَّهِ كذبًا جَهْدَ أيْمانِهم إنهم لمعكم؟
وهى في مَصاحِفِ أهلِ العراقِ بالواو: (ويقولُ الذين آمنوا) (٤).
وقرَأ ذلك قرَأَةُ الكوفيين: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالواوِ ورفع "يقولُ" بالاسْتِقْبالِ والسَّلامةِ مِن الجَوازمِ والنَّواصِبِ (٥).
وتأويلُ مَن قرَأ ذلك كذلك: فيُصْبِحوا على ما أَسَرُّوا في أنفسِهم يَنْدَمُون، ويقولُ الذين آمَنوا. فيَبْتَدِئُ "يقولُ" فيَرْفَعُها.
وقراءتنا التي نحن عليها: ﴿وَيَقُولُ﴾ بإثبات الواوِ في ﴿وَيَقُولُ﴾؛ لأنها كذلك

