Commentaries: 3 shown of 12 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: هذا الذي حلَّ بكم من عذابِ اللهِ اليومَ بأنكم في الدنيا اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا. وهى حججُه وأدلتُه وآىُ كتابِه التي أنزلها على رسولِه ﷺ، ﴿هُزُوًا﴾. يعنى: سخريةً تسخَرون منها، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: وخدَعتكم زينةُ الحياةِ الدنيا، فآثَرتموها على العملِ بما (٤) يُنجِيكم اليومَ من عذابِ اللهِ. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾: من النارِ، ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. يقولُ: ولا هم يُردُّون إلى الدنيا ليتوبوا ويراجِعوا الإنابةَ مما عوقِبوا عليه.
يقولُ تعالى ذكرُه: فللهِ الحمدُ على نعَمِه وأياديه عندَ خلقِه، فإياه فاحمَدوا أيُّها الناسُ، فإن كلَّ ما بكم من نعمةٍ فمنه دونَ ما تعبُدون من دونِه من آلهةٍ
ص ٢١/ ١١٠
ووثنٍ، ودون ما تتخِذونه (١) من دونِه ربًّا، وتشرِكون به معه (٢)، ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: مالكِ السماواتِ السبعِ، ومالكِ الأرَضينَ السبعِ (٣)، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: مالكِ جميعِ ما فيهن من أصنافِ الخلقِ.
﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: وله العظمةُ والسلطانُ في السماواتِ والأرضِ دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في نقمتِه من أعدائِه، القاهرُ كلَّ ما دونَه، ولا يقهرُه شيءٌ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه خلقَه، وتصريفِه إياهم فيما شاء كيفَ شاء واللهُ أعلمُ.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "الجاثيةِ"
تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
ابن كثيرd. 774 AHPrinted page: 6/ 616
ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أي: إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم سخريًا تسخرون وتستهزؤن بها ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: خدعتكم فاطمأننتم إليها فأصبحتم من الخاسرين، ولهذا قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ أي: من النار ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يطلب منهم العتبى بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب ثم لما ذكر تعالى حكمه في المؤمنين والكافرين، قال: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ أي: المالك لهما وما فيهما. ولهذا قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مجاهد: يعني السلطان؛ أي: هو العظيم الممجد الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه.
وقد ورد في الحديث الصحيح: "يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما أسكنته ناري" ورواه مسلم من حديث الأعمش، عن أبي إِسحاق، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، عن رسول الله ﷺ بنحوه (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي لا يغالب ولا يمانع ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره تعالى وتقدس لا إله إلا هو.
يخبر تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات الله عليه دائمًا إِلى يوم الدين، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال،
ثم قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: لا على وجه العبث والباطل ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: وإِلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أي: لاهون عما يراد بهم، وقد أنزل الله تعالى إليهم كتابًا وأرسل إِليهم رسولًا، وهم معرضون عن ذلك كله؛ أي: وسيعلمون غب ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ولا شرك لهم في السماوات ولا في الأرض وما يملكون من قطمير، إن الملك والتصرف كله إلا لله ﷿، فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به؟ من أرشدكم إلى هذا؟ من دعاكم إليه؟ أهو أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: هاتوا كتابًا من كتب الله المُنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأمركم بعبادة هذه الأصنام ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: دليل بينٍ على هذا المسلك الذي سلكتموه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: لا دليل لكم لا نقليًا ولا عقليًا على ذلك، ولهذا قرأ آخرون: "أو أثارة أثرة من علم"؛ أي: أو علم صحيح تؤثرونه عن أحد ممن قبلكم، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أو أحد يأثر علمًا (١).
قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث حَقٌّ أي: كائن وَالسَّاعَةُ قرأ حمزة: «والساعةَ» بالنصب لا رَيْبَ فِيها أي: كائنة بلا شك قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ أي أنكرتموها إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا أي:
ما نعلم ذلك إلا ظنّاً وحَدْساً، ولا نَسْتْيِقنُ كونَها.
وما بعد هذا قد تقدم «١» إِلى قوله: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ أي: نتركُكم في النار كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي: كما تَركتُم الإِيمانَ والعملَ للقاء هذا اليوم. ذلِكُمْ الذي فَعَلْنا بكم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً أي: مهزوءاً بها وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا حتى قلتم: إِنه لا بَعْثَ ولا حساب فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ وقرأ حمزة، والكسائي: «لا يَخْرُجُونَ» بفتح الياء وضم الراء. وقرأ الباقون: «لا يُخْرَجُونَ» بضم الياء وفتح الراء مِنْها أي: من النار وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي: لا يُطلب منهم أن يَرْجِعوا إلى طاعة الله ﷿، لأنه ليس بحين توبة ولا اعتذار.
قوله تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: السُّلطان، قاله مجاهد. والثاني: الشَّرَف، قاله ابن زيد. والثالث: العَظَمة، قاله يحيى بن سلام، والزّجّاج.
فصل في نزولها «١» : روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكِّيَّة، وبه قال الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والجمهور. وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: فيها آية مدنيّة، وهي قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ «٢» . وقال مقاتل: نزلت بمكة غير آيتين: قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وقوله: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ «٣» . نزلتا بالمدينة.
وقد تقدّم تفسير فاتحتها «٤» إلى قوله: وَأَجَلٍ مُسَمًّى وهو أجَل فَناء السموات والأرض، وهو يوم القيامة. قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مفسَّر في فاطر «٥» إلى قوله: ائْتُونِي بِكِتابٍ «٦» ، وفي الآية اختصار، تقديره: فإن ادَّعَواْ أن شيئاً من المخلوقات صنعةُ آلهتهم، فقل لهم: ائتوني بكتاب مِنْ قَبْلِ هذا أي: مِنْ قَبْلِ القرآن فيه برهانُ ما تدَّعون من أن الأصنام شركاءُ الله، أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ وفيه ثلاثة أقوال «٧» : أحدها: أنه الشيء يثيره مستخرجه، قاله الحسن. والثاني: بقيَّة مِنْ عِلْمٍ تؤثر عن
Footnotes are the editor's words, not the author's.