تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: إن هؤلاء الجاهلين بربِّهم الذين يدعونك يا محمد إلى اتِّباع أهوائهم، لن يُغنوا عنك إن أنت اتَّبعتَ أهواءَهم، وخالفت شريعةَ ربَّك التي شرعها لك - من عقاب الله شيئًا، فيَدْفَعوه عنك إن هو عاقَبك، ويُنقذوك منه.
وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. يقولُ: وإن الظالمين بعضُهم أنصارُ بعض، وأعوانهم على الإيمان باللهِ (٢) وأهل طاعتِه، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: واللهُ يلى مَن اتَّقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصِيه، بكفايته ودفاع من أراده بسوءٍ. يقول جلَّ ثناؤه لنبيِّه ﵊: فكُنْ من المتقين، يَكْفِك (٣) اللهُ ما بغاك وكادك به هؤلاء المشركون، فإنه وليُّ مَن اتَّقاه، ولا يَعْظُمُ عليك خلافُ مَن خالف أمرَه وإن كثُر عددُهم؛ لأنهم لن يَضُرُّوك ما كان اللهُ وليِّك وناصرَك.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾.
يقول تعالى ذكره: هذا الكتاب الذي أنزَلْناه إليك يا محمد، ﴿بَصَائِرُ
ص ٢١/ ٨٧
لِلنَّاسِ﴾ يُنصرون به الحقَّ من الباطلِ، ويعرفون به سبيل الرشاد. والبصائرُ جمعُ بصيرةٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك [كان ابن زيدٍ يقولُ] (١).
ذكرُ (٢) ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. قال: القرآنُ. قال: هذا كلُّه إنما هو في القلب. قال: والسمع والبصرُ (٣) في القلب. وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وليس ببصر الدنيا ولا بسمعها.
وقوله: ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: ورشادٌ، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بحقيقةِ صحةِ هذا القرآن، وأنه تنزيلٌ من الله العزيز الحكيم. وخصَّ جل ثناؤُه الموقنين (٤) بأنه لهم بصائرُ وهدًى ورحمةٌ؛ لأنهم الذين انتفعوا به دون من كذَّب به من أهل الكفر، فكان عليه عمًى وله حزنًا.
وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾. [يقول تعالى ذكره: أم ظنَّ الذين اجترحوا السيئات] (٥) من الأعمال في الدنيا، فكذَّبوا رُسلَ اللهِ، وخالفوا أمرَ ربِّهم، وعبدوا غيره - أن نَجعَلَهم في الآخرة كالذين آمنوا بالله وصدَّقوا رسلَه وعملوا الصالحات فأطاعوا الله، وأخلصوا له العبادةَ، دون ما سواه من الأندادِ والآلهة؟!

