تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم صبُّوا على رأسِ هذا الأثيمِ ﴿مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾. يعنى: من الماءِ المُسَخَّنِ الذي وصَفْنا صفتَه، وهو الماءُ الذي قال اللَّهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠]. وقد بيَّنتُ صفتَه هنالك (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهذا الأثيمِ الشقيِّ: ذُقْ هذا العذابَ الذي تُعذَّبُ به اليومَ، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ في قومِك، ﴿الْكَرِيمُ﴾ عليهم.
وذُكِر أن هذه الآياتِ نزَلت في أبي جهلِ بن هشامٍ.
ص ٢١/ ٦١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾: نزَلت في عدوِّ اللَّهِ أبي جهلٍ، لقِى النبيَّ ﷺ، فأخَذه فهزَّه، ثم قال: "أولى لك يا أبا جهلٍ فأولى، ثم أولى لك فأولى، ذُقْ إنك أنت العزيزُ الكريمُ". وذلك أنه قال: أَيُوعِدُني محمدٌ؟! واللَّهِ لأنا أعزُّ مَن مشَى بينَ جبلَيْها. وفيه نزَلت: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. وفيه نزَلت: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. وقال قتادةُ: نزَلت في أبي جهلٍ وأصحابِه الذين قتَل اللَّهُ ﵎ يومَ بدرٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (١) [إبراهيم: ٢٨].
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: نزَلت في أبى جهلٍ: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾. قال قتادةُ: قال أبو جهلٍ: ما بينَ جبلَيْها رجلٌ أعزَّ ولا أكرمَ منى. فقال اللَّهُ ﷿: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: هذا لأبي جهلٍ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل وهو يُهانُ بالعذابِ الذي ذكرَه اللَّهُ، ويُذَلُّ بالعَتْلِ إلى سواءِ الجحيمِ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾؟ قيل: إنَّ قولَه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ غيرُ وصفٍ مِن قائلِ ذلك له بالعزّةِ والكرمِ، ولكنه تقريعٌ

