تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل نبيِّه موسى ﵇ لفرعونَ وقومه: وإنْ أنتم أيُّها القومُ لم تُصدِّقونى على ما جئتُكم به من عندِ ربِّي، ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾. يقولُ: فخلُّوا سبيلي غيرَ مرْجومٍ باللسانِ ولا باليدِ.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. أي: فخلّوا سبيلى (١).
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَدَعَا﴾ موسى ﴿رَبَّهُ﴾ إذ كذَّبوه ولم يؤمنوا به، ولم يؤدُّوا إليه عبادَ اللَّهِ، وهمُّوا بقتله، بـ ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾. يعني: فرعونَ وقومَه، ﴿قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾. يعنى: أنهم مشركون باللهِ كافرون.
وقولُه: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾. وفي الكلام محذوفٌ استُغْنِىَ بدلالةِ ما ذُكر عليه منه، وهو: فأجابه ربُّه بأن قال له: ﴿فَأَسْرِ﴾ إذ كان الأمرُ كذلك ﴿بِعِبَادِي﴾. وهم بنو إسرائيلَ. وإنما معنى الكلامِ: فأَسْرِ بعبادى الذين صدَّقوك وآمَنوا بك
ص ٢١/ ٣٤
واتَّبعوك، دونَ الذين كذّبوك منهم وأبَوْا قبولَ ما جئتهم به من النصيحةِ منك، وكان الذين كانوا بهذه الصفةِ يومَئذٍ بني إسرائيلَ، وقال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾؛ لأن معني ذلك: سِرْ بهم بليلٍ قبلَ الصباحِ.
وقولُه: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. يقولُ: إن فرعون وقومه من القِبْطِ مُتَّبِعوكم إذا شَخَصْتم (١) عن بلدِهم وأرضِهم، في آثارِكم.
وقولُه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. يقولُ: وإذا قطعتَ البحرَ أنت وأصحابُك، فاترُكْه ساكنًا على حالِه التي كان عليها حينَ دخلْتَه. وقيل: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال لموسى هذا القولَ بعدَ ما قطَع البحرَ ببني (٢) إسرائيلَ، فإذ كان ذلك كذلك ففى الكلامِ محذوفٌ، وهو: فسَرَى موسى بعبادى ليلًا، وقطَع بهم البحرَ، فقلنا له بعدَ ما قطَعه وأراد ردَّ البحر إلى هيئتِه التي كان عليها قبلَ انفلاقه: اتركْه رهْوًا.
ذكرُ مَن قال ما ذكَرْنا، مِن أَنَّ اللَّهَ ﷿ قال لموسى هذا القولُ، بعد ما قطَع البحرَ بقومه (٣).
حدَّثنا بشرٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُون﴾ حتى بلَغ: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. قال: لما خرَج آخرُ بنى إسرائيلَ أراد نبيُّ اللَّهِ موسى ﵇ أن يضربَ البحر بعصاه حتى يعودَ كما كان؛ مخافةَ آلِ فرعونَ أن يُدركوهم، فقيل له: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾.

