تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وكم أرسلنا من نبيٍّ يا محمد في القرون الأوّلين، الذين مضوا قبل قرنك الذي بُعثت فيه، كما أرسلناك في قومك من قريش،
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وما كان يأتى قرنًا من أولئك القرون، وأمةً من تلك (١) الأمم الأوّلين لنا، من نبيٍّ يدعوهم إلى الهدى وطريق الحقِّ، إلا كان الذين يأتيهم ذلك النبيُّ (٢) من تلك الأم يُنِّبئُهم (٣) الذي أُرسلُه إليهم، يستهزئون سُخرية منهم به (٤)، كاستهزاء قومك بك يا محمدُ. يقولُ: فلا يَعْظُمَن عليك ما يفعل بك قومُك، ولا يَشُقَّنَّ عليك؛ فإنهم إنما سلكوا في استهزائهم بك مَسْلكَ سُلَّافهم، ومنهاج أئمتهم الماضين من أهل الكفر بالله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فأهلكنا أشدَّ من هؤلاء المستهزئين بأنبيائهم بطشًا إذا بطشوا، فلم يعجزونا بقواهم وشدَّة بطشهم، ولم يقدروا على الامتناع من بأسنا إذ أتاهم، فالذين هم أضعفُ منهم قوةً أحرى أن لا يقدروا على الامتناع مِن غِيَرِنا (٥) إذا حلّت بهم، ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: ومضى لهؤلاء المشركين.
ص ٢٠/ ٥٥٣
المستهزئين بك ولمن قبلهم مِن ضُربائهم - مَثَلُنا الذي مثَّلناه لهم في أمثالهم من مكذبي رسلنا الذين أهلكناهم، يقولُ: فليتوقع هؤلاء الذين يستهزئون بك يا محمدُ من عقوبتنا مِثْلَ الذي أحللناه بأولئك إن (١) أقاموا على تكذيبك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: عقوبة الأولين (٢).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: سُنَّتُهم (٣).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا (¬٤) وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك: مَن

