تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّين بهذا الوعيدِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أهلُ الإسلامِ من أُمة نبيِّنا محمدٍ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنى أبي، عن أبي الأشْهَبِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. قال: لقد كانت بعدَ نبيِّ اللَّهِ ﷺ نِقْمةٌ شديدةٌ، فأكرَم اللَّهَ نبيَّه ﷺ أن يُرِيَه في أمتِه ما كان مِن النقمة بعدَهُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾: فذهَب الله بنَبِيِّه ﷺ، ولم يُره في أمتِه إلا الذي تَقَرُّ به عينُه، وأبقَى اللَّهُ النقمةَ بعدَه، وليس مِن نبيٍّ إلا وقد رأى في أمتِه العقوبةَ - أو قال: ما لا يَشْتَهِي - ذُكِر لنا أن النبيَّ ﷺ أُرِىَ الذي لَقِيتُ أُمتُه من بعدِه، فما زال لا منقبضًا، ما استبسَط ضاحكًا حتى لَقِى اللَّهَ ﵎.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تَلا قتادةَ: ﴿فَإِمَّا
ص ٢٠/ ٦٠١
نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. فقال: ذهَب النبيُّ ﷺ، وبقيت النِّقْمةُ، ولم يُرِ اللَّهُ نَبِيَّه ﷺ في أمتِه شيئًا يَكْرَهُه حتى مضَى، ولم يَكُنْ نبيٌّ قَطُّ إلا رأى العقوبةَ في أمتِه، إلا نبيَّكم ﷺ. قال: وذُكِر لنا أن النبيَّ ﷺ أُرِىَ ما يُصِيبُ أمتَه بعده، فما رُئِى ضاحكًا مستبسِطًا حتى قبَضه اللَّهُ (١).
وقال آخرون: بل عُنى به أهلُ الشركِ مِن قريشٍ. وقالوا: قد أَرَى اللَّهُ نبيَّه ذلك (٢) فيهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي في قولِه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾: كما انتقَمنا مِن الأممِ الماضيةِ، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾: فقد أَراه اللَّهُ ذلك وأظهَره عليه (٣).
وهذا القولُ الذي قاله السديُّ أولى التأويلَين في ذلك بالصوابِ؛ وذلك أن ذلك في سياقِ خبرِ اللَّهِ عن المشركين، فلأن يكونَ ذلك تهديدًا لهم، أَولى مِن أن يكونَ وعيدًا لمن لم يَجْرِ له ذكرٌ. فمعنى الكلامِ إذ كان ذلك كذلك: فإن نذهَبْ بك يا محمدُ مِن بين أظهُرِ هؤلاءِ المشركين، فنُخْرِجْكَ مِن بينِهم، ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾، كما فعَلنا ذلك بغيرِهم من الأممِ المُكَذِّبِةِ رُسُلَها، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾، يا محمدُ من الظُّفَرِ بهم، وإعلائِك عليهم، ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾، أن نُظْهِرَك عليهم، ونخزيَهم بيدِك وأيدى المؤمنين بك.

