Commentaries: 3 shown of 11 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء الذين يُحشَرون إلى النارِ من أعداءِ اللَّهِ ﷾ لجلودِهم، إذ شهِدت عليهم بما كانوا في الدنيا يعمَلون من معاصى اللهِ (١): ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ بما كنا نعملُ في الدنيا؟ فأجابتهم جلودُهم: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فنطَقنا. وذُكِر أن هذه الجوارحَ تشهدُ على أهلِها عندَ استشهادِ اللَّهِ إيَّاها (٢) عليهم، إذا هم أنكَروا الأفعالَ التي كانوا فعَلوها في الدنيا مما (٣) يُسخط اللَّهَ، وبذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.
ذكرُ الأخبارِ التي رُوِيت بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ -
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ قادمٍ الخُزاعيُّ (٤)، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن عبيدٍ المُكْتِبِ، عن الشعبيِّ، عن أنسٍ، قال: ضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يومٍ حتى بدَتْ نواجذُه، ثم قال: "ألا تسألُونى مِمَّ ضحِكتُ؟ ". قالوا: ممَّ ضحِكتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "عجِبتُ من مجادلةِ العبد ربَّه تعالى ذكره يومَ القيامةِ". قال: "يقولُ: يا ربِّ، أليسَ وعَدْتَنى أن لا تظلِمَني؟ ". قال: فإِنَّ لك ذلك. قال: فإنى لا أقبلُ عَلى شاهدًا إلا من نفسى. قال: أوَ ليس كفَى بى شهيدًا، وبالملائكةِ الكرامِ الكاتِبين؟ ". قال: "فيُختَمُ على فِيهِ، وتتكلَّمُ أركانُه بما كان يعملُ". قال: "فيقولُ لهن: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، عنكُنَّ كنتُ أجادِلُ" (٥).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عبيدٍ المُكْتِبِ، عن
يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ أي: اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار يوزعون؛ أي: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم كما قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم] أي: عطاشا.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ أي: وقفوا عليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأعمالهم مما قدموه وأخروه لا يُكْتَم منه حرف
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم فعند ذلك أجابتهم الأعضاء ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: فهو لا يخالف ولا يمانع وإليه ترجعون.
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا علي بن قادم، حدثنا شريك، عن عبيد المكتب، عن الشعبي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم وابتسم فقال ﷺ: "ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟ " قالوا: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال ﷺ: "عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول: أي ربي أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى. فيقول: فإني لا أقبل علي شاهدًا إلا من نفسي، فيقول الله ﵎: أوليس كفى بي شهيدًا وبالملائكة الكرام الكاتبين، قال: فيردد هذا الكلام مرارًا، قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بعدًا لكنَّ وسحقًا، عنكنَّ كنت أجادل" (٢). ثم
ص ٦/ ٥٢٠
رواه هو وابن أبي حاتم من حديث أبي عامر الأسدي، عن الثوري، عن عُبيد المكتب، عن فضيل بن عمرو، عن الشعبي (١)، ثم قال: لا نعلم رواه عن أنس ﵁ غير الشعبي، وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعًا عن أبي بكر بن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن الثوري (٢) به. ثم قال النسائي: لا أعلم أحدًا رواه عن الثوري غير الأشجعي. وليس كما قال كما رأيت، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عُلية، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى: ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه ﷿ عمله، فيجحد ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل. فيقول له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك؛ أي ربّ ما عملته قال: فإذا فعل ذلك خُتِمَ على فيه، قال الأشعري ﵁: فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى (٣).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، قال دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عنه، عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم فيقول: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول: احلفوا، فيحلفون، ثم يصمتهم الله تعالى وتشهد عليهم ألسنتهم ويدخلهم النار" (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي يقول: حدثنا علي بن زيد، عن مسلم بن صُبيح أبي الضحى، عن ابن عباس أنه قال لابن الأزرق (٥) إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم ثم يؤذن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى، فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله تعالى عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم جلودهم وأبصارهم وأيديهم ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتقر الألسنة بعد الجحود (٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن [قال] (٧) وصف رجلًا جحد - قال: فيشير الله تعالى إلى لسانه فيربو في فمه حتى يملأه فلا يستطيع أن ينطق بكلمة ثم يقول لآرابه كلها: تكلمي واشهدي عليه، فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده وفرجه ويداه
فَهُمْ يُوزَعُونَ أي: يُحْبَس أوَّلهم على آخرِهم ليتلاحقوا. حَتَّى إِذا ما جاؤُها يعني النار التي حُشروا إليها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ، وفي المراد بالجلود ثلاثة أقوال: أحدها: الأيدي والأرجل. والثاني: الفروج، رويا عن ابن عباس. والثالث: أنه الجلود نفسها، حكاه الماوردي. وقد أخرج مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال:
(١٢٤١) كنّا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: «هل تدرون مِمَّ أضحك؟» قال: قلنا: اللهُ ورسولهُ أعلم. قال: «من مخاطبة العبد ربّه، يقول: يا ربّ ألم تُجِرْني من الظُّلْم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإنّي لا أُجيزُ عليَّ إلا شاهداً منِّي، قال: فيقول: كفى بنفْسك اليومَ عليكَ شهيداٍ، وبالكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيُخْتَمُ على فِيه، فيقال لأركانه: انْطِقي، قال: فتَنْطقُ بأعماله، قال: ثُمَّ يُخَلَّى بينَه وبينَ الكلام، فيقول: بُعْداً لَكُنَّ وسُحْقاً، فعنكُنَّ كنتُ أًناضِل» .
قوله تعالى: قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي: ممّا نطق. وهاهنا تم الكلام. وما بعده ليس من جواب الجلود.
(١٢٤٢) روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود قال: كنتُ مستتراً بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفرٍ، قرشيٌّ وخَتْناه ثقفيَّان، أو ثقفيٌّ وختَنْاه قرشيّان، كثيرٌ شّحْمُ بُطونهم، قليلٌ فِقْهُ قُلوبهم، فتكلَّموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أتُرَوْنَ اللهَ يَسْمَعُ كلامَنا هذا؟ فقال الآخران: إنّا إذا
ص ٤/ ٥٠
رفعنا أصواتنا سَمِعَه، وإن لم نَرفع لم يَسمع، وقال الآخر: إن سمع منه شيئاً سمعه كلّه، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ إلى قوله: مِنَ الْخاسِرِينَ.
ومعنى «تستترون» : تَسْتَخْفون «أن يَشهد» أي: من أن يشهد «عليكم سَمْعُكم» لأنكم لا تَقدرون على الاستخفاء من جوارحكم، ولا تظُنُّون أنها تَشهد وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ قال ابن عباس: كان الكفار يقولون: إن الله لا يَعلم ما في أنفُسنا، ولكنه يعلم ما يَظهر، وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ أي: أن الله لا يَعلم ما تعملون، أَرْداكُمْ أهلككم. فَإِنْ يَصْبِرُوا أي: على النّار فهي مسكنهم، وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا أي: يَسألوا أن يُرجَع لهم إلى ما يحبُّون، لم يُرْجَع لهم، لأنهم لا يستحقُّون ذلك.
يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إيّاي. واستعتبتُه، أي: طلبتُ منه أن يُعْتِب، أي:
يَرضى. قوله تعالى: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ أي: سبَّبنا لهم قرناء من الشياطين فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا جنَّة ولا نار ولا بعث ولا حساب، وما خَلْفَهم من أمر الدنيا، فزيَّنوا لهم اللذّات وجمع الأموال وترك الإنفاق في الخير. والثاني:
ما بين أيديهم من أمر الدنيا، وما خلفهم من أمر الآخرة، على عكس الأول. والثالث: ما بين أيديهم:
ما فعلوه، وما خلفهم: ما عزموا على فعله. وباقي الآية قد تقدم تفسيره «١» .
Footnotes are the editor's words, not the author's.