تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾. يَعْنى بقولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾، يَعْنى: المُنْذَرون الذين أَرْسَل اللهُ إليهم رسله ليُنْذِروهم (٤) ظاهِرون - يعنى للناظرين - لا يحولُ بينَهم وبينَهم جبلٌ ولا شجرٌ، ولا يَسْتُرُ بعضَهم عن بعضٍ ساتِرٌ، ولكنَّهم بقاعٍ صَفْصَفٍ، لا أُمَّتَ فيه ولا عِوَجَ.
﴿هُمْ﴾ من قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ﴾، في موضعِ رفعٍ بما بعدَه، كقولِ القائلِ: فَعَلْتُ ذلك يومَ الحَجَّاجُ أَميرٌ.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في العِلَّة التي من أجلِها لم تُخْفَضُ ﴿هُمْ﴾ بـ ﴿يَوْمَ﴾، وقد أُضِيفَ إليه؛ فقال بعضُ نَحْويِّى البصرةِ: أضاف ﴿يَوْمَ﴾ إلى ﴿هُمْ﴾ في المعنى، فلذلك لا يُنَوَّنُ اليومُ، كما قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]. وقال: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]. ومعناه: هذا يومُ فتنتِهم. ولكنْ لمَّا ابْتَدَأَ الاسمُ (٥)، وبُنِي عليه، لم يُقْدَرْ على جرِّه، وكانت الإضافةُ في المَعْنَى إلى الفتنةِ، وهذا إنما يكونُ إذا كان "اليوم" في معنى "إذ"، وإلا فهو
ص ٢٠/ ٢٩٨
قبيحٌ؛ ألا تَرَى أنك تقولُ: لَقِيتُك زمن زيدٌ أميرٌ. أيْ: إذ زيدٌ أميرٌ. ولو قُلتَ: ألقاك زمنَ زيدٌ أميرٌ. لم يَحْسُنْ.
وقال غيرُه: مَعْنَى ذلك أن الأوقاتَ جُعِلَتْ بمعنى "إذ" و "إذا"، فلذلكَ بَقِيَتْ على نصبِها في الرفعِ والخفضِ والنصبِ، فقال: (ومن خزي يومَئذٍ) (١) [هود: ٦٦] فَنَصبوا، والموضعُ خفضٌ، فذلك (٢) دليل على أنه جُعِل موضعَ الأداةِ، ويَجوزُ أن يُعْرَبَ بوجوهِ الإعرابِ؛ لأنه ظهر ظُهورَ الأسماءِ؛ ألا ترى أنه لا يعودُ عليه العائِدُ كما يعودُ على الأسماءِ، فإن عاد العائدُ نُوِّن وأُعْرِب ولم يُضَفْ، فقِيل: أعْجَبَنى يومٌ فيه تقومُ (٣). لَمَّا أن خرَج من معنى الأداةِ، وعاد عليه الذِّكرُ صار اسمًا صحيحًا. قال: وجائزٌ في "إذ أن تقولَ: أَتَيْتُك إذ تقومٌ. كما تقولُ: أتيتُك يومَ يَجْلِسُ القاضي. فيكونُ زمنًا معلومًا، فأَمَّا: آتِيكَ (٤) يومَ تقومُ. فلا مَئُونَة (٥) فيه، وهو جائزٌ عندَ جميعِهم. قال: وهذه التي تُسَمَّى إضافةً غيرَ مَحْضَةٍ.
والصوابُ مِن القولِ عندى في ذلك أنَّ نصبَ "يَوْم" وسائرِ الأزمنةِ في مثلِ هذا الموضعِ، نظيرٌ نصبِ الأدواتِ؛ لوقوعِها مواقعَها، وإذ أُعْرِبَتْ بوجوهِ الإعراب؛ فلأنها ظَهَرَتْ ظهورَ الأسماءِ، فعُومِلَتْ معاملَتَها.
وقولُه: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ﴾. [يقولُ: لا يخفى على اللهِ منهم] (٦) ولا مِن

