Commentaries: 3 shown of 14 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى تعالى ذكرُه بذلك: الذين صدَّقوا الله ورسولَه، وأيْقَنوا بمَوْعودِ اللهِ لأهلِ الإيمانِ به ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يَقُولُ: في طاعةِ اللهِ ومِنهاجِ دينِه وشريعتِه التي شرَعها لعبادِه، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. يَقُولُ: والذين جحَدوا وَحدانيةَ اللهِ، وكذَّبوا رسولَه (١) وما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم، ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. يَعْنى: في طاعةِ الشيطانِ وطريقِه ومنهاجِه الذي شرَعه لأوليائِه مِن أهلِ الكفرِ به. يقولُ اللهُ جل ثناؤه مُقوِّيًا عزْمَ المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، ومُحرِّضَهم على أعدائِه وأعداءِ دينِه مِن أهلِ الشركِ: ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾. يَعْنى بذلك: الذين يَتَولُّونه، ويُطِيعون أمرَه في خلافِ طاعةِ اللهِ، والتكذيبِ به، ويَنْصُرُونه (٢)﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. يَعْنى بكيدِه: ما كاد به المؤمنين مِن تحزيبِه أولياءَه مِن الكفارِ باللهِ على رسولِه وأوليائِه مِن (٣) أهلِ (٤) الإيمانِ به. يقولُ: فلا تهابُوا أولياءَ الشيطانِ، فإنما هم حِزْبُه، وأنصارُه، وحزبُ الشيطانِ أهلُ وَهَنٍ وضَعْفِ. وإنما وصَفهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بالضعفِ؛ لأنهم لا يُقاتلِون رجاءَ ثوابٍ (٥)، ولا يَتْرُكُون القتالَ خوفَ عقابٍ، وإنما يُقَاتِلون حمِيَّةً أو حسَدًا للمؤمنين على ما آتاهم اللهُ مِن فضلِه، والمؤمنون يُقاتِلُ مَن قاتَل منهم رجاءَ العظيمِ مِن ثوابِ اللهِ، ويَتْرُكُ القتالَ - إن تَرَكَه - على خوفٍ مِن وعيدِ اللهِ في تَرْكِه، فهو يُقاتِلُ على بصيرةٍ بما له عندَ اللهِ إن قُتِل، وبما له من الغنيمةِ والظَّفَرِ إن سَلِم، والكافرُ يُقاتِلُ على حَذَرٍ مِن القَتْلِ،
تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
ابن كثيرd. 774 AHPrinted page: 3/ 162
الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان، ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها: كونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام، أشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه، جزع بعضهم منه، وخافوا مواجهة الناس خوفًا شديدًا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويتم الأولاد، وتأيّم النساء، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾ الآيات [محمد].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي بن زنجة، قالا: حدثنا علي بن الحسن، عن الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، وعن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ بمكة، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، قال: "إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم" فلما حوله الله إلى المدينة، أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا
[— بداية ص ٣/ ١٦٣، page_id=1369 —]
الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ (١)، ورواه النسائي والحاكم (٢) وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به، وقال أسباط، عن السدي: لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾(٣). وقال مجاهد: إن هذه الآية نزلت في اليهود، رواه ابن جرير (٤).
(٣١٦) أحدهما: أنها نزلت في نفر من المهاجرين، كانوا يحبون أن يؤذن لهم في قتال المشركين وهم بمكّة قبل أن يُفرَضَ القتال، فنُهوا عن ذلك، فلما أُذِنَ لهم فيه، كَرِههُ بعضُهُم. روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول قتادة، والسدي، ومقاتل.
والثاني: أنها نزلت واصفةً أحوال قومٍ كانوا في الزمان المتقدّم، فحُذّرت هذه الأمّة من مثلِ حالهم، روى هذا المعنى عطية، عن ابن عباس. قال أبو سليمان الدمشقي: كأنه يومئ إِلى قصة الذين قالوا: إِبعث لنا مَلِكاً. وقال مجاهد: هي في اليهود.
فأما كفُّ اليد، فالمراد به: الامتناع عن القتال، ذلك كان بمكة. و «كُتب» بمعنى: فُرض، وذلك بالمدينة، هذا على القول الأول.
قوله تعالى: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ في هذا الفريق ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المنافقون. والثاني: أنهم كانوا مؤمنين، فلما فرض القتال، نافقوا جُبناً وخوفاً. والثالث: أنهم مؤمنون غير أن طبائعهم غلبتهم، فنفرت نفوسُهم عن القتال.
قوله: يَخْشَوْنَ النَّاسَ في المراد بالناس قولان: أحدهما: كفار مكة. والثاني: جميع الكفار.
قوله تعالى: أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً قيل: إِن «أو» بمعنى الواو، و «كتبت» بمعنى: فرضت. و «لولا» بمعنى «هلاّ» ، قال الفراء: إِذا لم تر بعدها اسماً فهي استفهامٌ بمعنى هلاّ، وإِذا رأيت بعدها اسما مرفوعا، فهي
[— بداية ص ١/ ٤٣٤، page_id=427 —]
التي جوابها اللام، تقول: لولا عبد الله لضربتك. وقال ابن قتيبة: إِذا رأيتها بغير جواب، فهي بمعنى «هلاّ» ، تقول: لولا فعلت كذا، ومثلها «لوما» ، فاذا رأيت ل «لولا» جواباً، فليست بمعنى «هلاّ» ، إِنما هي التي تكون لأمر يقع بوقوع غيره، كقوله تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «١» . قلت: فأما «لولا» التي لها جوابٌ فكثيرة في الكلام، وأنشدوا في ذلك:
لولا الحياءُ وأن رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت امَّ القاسم «٢»
أراد: فهلاّ تعدون الكمي، والكمي: الداخل في السّلاح.
وفي الأجل القريب قولان: أحدهما: أنه الموت، فكأنهم قالوا: هلاّ تركتنا نموت موتاً، وعافيتنا من القتل، هذا قول السدي، ومقاتل. والثاني: أنه إِمهال زمان، فكأنهم قالوا: هلاّ أخرت فرض الجهاد عنّا قليلاً حتى نكثر ونقوى، قاله أبو سليمان الدمشقي في آخرين.
قوله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ أي: مدّة الحياة فيها قليلة.
قوله تعالى: وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ولا يظلمون بالياء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم: بالتاء، وقد سبق ذكر المتاع والفتيل.
قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ. سبب نزولها أن المنافقين قالوا في حقّ شهداء أُحُد:
لو كانوا عندنا ما ماتوا، وما قتلوا، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس «٤» ، ومقاتل. والبروج:
الحصون، قاله ابن عباس وابن قتيبة. وفي «المشيّدة» خمسة أقوال «٥» : أحدها: أنها الحصينة، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: المطولة، قاله أبو مالك، ومقاتل، وابن قتيبة. والثالث: المجصّصة، قاله
Footnotes are the editor's words, not the author's.