تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: اليهودَ مِن بني إسرائيلَ الذين كانوا حَوالَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، قال اللهُ لهم: يا أيُّها الذين أُنزِل إليهم الكتاب فأُعْطُوا العلمَ به، ﴿آمِنُوا﴾ يقولُ: صدِّقوا، ﴿بِمَا نَزَّلْنَا﴾ (٣) [يعني: بما أنزلنا] (٤) إلى محمدٍ مِن الفُرْقانِ، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾. يعنى: مُحقِّقًا للذى معكم مِن التوراةِ التي أنزَلتُها إلى موسى بن عِمْرانَ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: طَمْسُه إياه مَحْوُه آثارَها حتى تصيرَ كالأقْفَاءِ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن نَطْمِسَ أبصارها، فنُصَيِّرَها عُمْيًا، ولكنَّ الخبرَ خَرج بذِكْرِ الوَجْهِ، والمرادُ به بصرُه، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: فنجعلَ (٥) أبصارَها مِن قبَلِ أقْفائِها.
[— بداية ص ٧/ ١١٢، page_id=4677 —]
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾. إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾. وطَمْسُها أن تُعْمَى، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. يقولُ: أن نجعلَ وجوهَهم مِن قِبَلِ أقفِيتِهم، فيَمْشون القَهْقَرى، ونجعَلَ لأحدِهم عينَين في قَفاه (١).
حدَّثني أبو العالية إسماعيلُ بنُ الهيثمِ العَبْديُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، عن فُضَيلِ بن مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال: نجعَلَها في أقفائِها، فتَمْشي على أعقابِها القَهْقَرَى (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسْديُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بن موسى، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ بنحوِه، إلا أنه قال: طَمْسُها أن يَرُدُّها في (٣) أقفائِها (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾. قال: نُحوِّل وجوهَها قِبَلَ ظهورها (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: مِن قبل أن نُعْمِيَ قومًا عن الحقِّ، فَنَرُدَّها (٥) على أدبارِها في الضلالةِ والكفرِ.