تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: واللهُ أعلمُ منكم بعداوةِ هؤلاءِ اليهودِ لكم أيُّها المؤمنون. يقولُ: فانتَهُوا إلى طاعتي فيما (٤) نَهيتُكم عنه مِن استنصاحِهم في دينِكم، فإنى أعلمُ بما هم عليه لكم مِن الغشِّ والعداوةِ والحسدِ، وأنهم إنما يَبْغونكم الغَوائلَ، ويطلُبون أن تَضِلُّوا عن مَحَجَّةِ الحَقِّ، فتَهْلِكُوا.
وأمَّا قولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. فإنه يقولُ (٥): فباللهِ أيُّها
[— بداية ص ٧/ ١٠١، page_id=4666 —]
المؤمنون فثِقُوا، وعليه فتوَكَّلوا، وإليه فارغَبوا دونَ غيرِه (١) يَكْفِكم (٢) مَهَمَّكم، ويَنْصُرُكم على أعدائِكم؛ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ يقولُ: وكفاكم وحسْبُكم باللهِ ربَّكُم وَلِيًّا يَلِيكم ويلى أمورَكم بالحياطةِ لكم، والحراسةِ مِن أن يَسْتفِزَّكم أعداؤُكم عن دينِكم، أو يَصُدُّوكم عن اتِّباعِ نبيِّكم؛ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يقولُ: وحَسْبُكم أيضًا باللهِ ناصرًا لكم على أعدائِكم وأعداءِ دينِكم، وعلى مَن بَغاكم الغَوائل، وبَغَى دينَكم العوَجَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: ولقولِه تعالى ذكره: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وَجْهان مِن التأويلِ:
أحدُهما: أن يكونَ معناه: ألم تَرَ إلى الذين أُوتوا نَصيبًا مِن الكتابِ مِن الذين هادوا يُحَرِّفون الكَلِمَ. فيكونَ قولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. مِن صلةِ ﴿الَّذِينَ﴾. وإلى هذا القولِ كانت عامَّةُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ الكوفة يُوَجِّهون قولَه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ﴾.
والآخَرُ منهما: أن يكونَ معناه: مِن الذين هادوا مَن يُحَرِّفُ الكَلِمَ عن مَواضعِه. فتكونَ "مِن" محذوفةً من الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. عليها.
وذلك أن "مِن" لو ذُكرت في الكلام كانت بعضًا لـ" مِن"،