تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾. يقولُ: بغيرِ حقٍّ. ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ يومَ القيامةِ، بأكلِهم أموالَ اليتامى ظلمًا في الدنيا، نارَ جَهَنَّمَ، ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ بأكلهم ﴿سَعِيرًا﴾.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. قال: إذا قام الرجلُ يأكلُ مالَ اليتيمِ ظلمًا، يُبْعَثُ يومَ القيامةِ ولهبُ النارِ يخرُجُ مِن فيه ومِن مسامعِه ومِن أُذُنَيه وأنفِه وعينَيْهِ، يَعْرِفُه مَن رآه بأْكلِ (١) مالِ اليتيمِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: أخبرَني أبو هارونَ العَبْدِيُّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: حدَّثنا النبيُّ ﷺ عن ليلةِ أُسْرِى به، قال: "نظَرتُ فإذا أنا بقومٍ لهم مشافِرُ كمشافِرِ الإِبلِ، وقد وُكِّل بهم مَن يأخُذُ بمشافرِهم، ثم يجعَلُ في أفواهِهم صخرًا من نارٍ يخرُجُ مِن أسافِلِهم. قلتُ: يا جبريلُ، مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يَأْكُلون أموالَ اليتامى ظُلمًا إنما يأكَلون في بطونِهم نارًا (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ
[— بداية ص ٦/ ٤٥٥، page_id=4293 —]
سَعِيرًا﴾. قال: قال أبي: إن هذه لأهلِ الشرْكِ حين كانوا لا يُوَرِّثُونهم ويأكُلون أموالَهم (١).
وأمَّا قولُه: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. فإنه مأخوذٌ من الصَّلا، والصَّلا: الاصْطِلاءُ بالنارِ، وذلك التسخُّنُ بها، كما قال الفَرَزْدَقُ (٢):
وقاتَلَ كَلْبُ الحَيِّ عن نارِ أهْلِهِ … ليَرْبضَ فيها والصَّلا مُتَكَنَّفُ
وكما قال العَجَّاجُ (٣):
وَصَالِيَاتٌ (٤) للصَّلا صُلِيُّ
ثم اسْتُعْمِل ذلك في كلِّ مَن باشَر بيدِه أمرًا مِن الأمورِ، مِن حربٍ أو قتالٍ أو خصومةٍ أو غيرِ ذلك، كما قال الشاعرُ (٥):
لم أَكُنْ مِن جُنَاتِها علِم اللَّهُ … وإنِّي بحرِّها اليومَ صالِي
فجعَل ما باشر مِن شدَّةِ الحربِ وأَذَى (٦) القتال بمنزلةِ مباشرةِ أذى النارِ وحرِّها.
واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قَرَأَةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، بفتحِ الياءِ (٧)، على التأويلِ الذي قلناه.