تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّبعوا أيُّها الناسُ ما أمَركم به ربُّكم في تنزيلِه، واجْتَنِبوا ما نهاكم فيه عنه، وذلك هو أحسنُ ما أُنزِل إلينا من ربِّنا.
فإن قال قائلٌ: ومِن القرآنِ شيءٌ هو أحسنُ مِن شيءٍ؟ قيل له: القرآنُ كلُّه حسنٌ، وليس معنى ذلك ما توهَّمْتَ، وإنما معناه: واتَّبِعوا مما أُنزِلَ إليكم من ربِّكم من الأمرِ والنهي والخبرِ والمَثَلِ والقَصَصِ والجَدَلِ والوعدِ والوعيد، أحسنَه، وأحسنُه أن تَأْتَمِروا لأمرِه، وتنتَهوا عما نهَى عنه؛ لأن النهيَ مما أُنزِل في الكتابِ، فلو عمِلوا بما نُهوا عنه كانوا عاملين بأقبحِه، فذلك وجهُه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: ما أُمِرتُم به في الكتابِ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ (١).
وقولُه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾. يقولُ: من قبلِ أن يأتيَكم عذابُ اللهِ فجأةً، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وأنتم لا تَعْلَمون به حتى يَغْشاكم فجأةً.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأنيبوا إلى ربِّكم، وأسلِموا له؛ ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. بمعنى: لئلَّا تقولَ نفسٌ: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. وهو نظيرُ قولِه: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. بمعنى: ألَّا تميدَ بكم، [فـ "أن" - إذ] (١) كان ذلك معناه - في موضعِ نصبٍ.
وقولُه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾. يعني أن تقولَ: يا نَدَما.
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾. قال: الندامةُ (٢).
والألفُ في قولِه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾. هي ياءُ كنايةِ المتكلمِ (٣)، وإنما أريد: يا حسرتِي، ولكن العربُ تحوِّلُ الياءَ التي في كنايةِ اسمِ المتكلمِ في الاستغاثةِ ألفًا، فتقولُ: يا ويلتا، ويا ندما. فيُخرِجون ذلك على لفظِ الدعاءِ، وربما قيل: يا حسرتِ (٤) على العبادِ. كما قيل: يا لَهْفِ عليه (٥)، ويا لهفَا عليه. وذكَر الفرَّاءُ أن أبا ثَرْوانَ أَنشَدَه (٦):
تَزُورُونها ولا أزورُ نساءَكمْ … ألَهْفِ لأوْلادِ الإماءِ الحواطِبِ
خفضًا كما يُخفضُ في النداءِ إذا أضافه المتكلمُ إلى نفسِه، وربما أدخلوا الهاءَ