تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾. يقول تعالى ذكره: لكن الذين اتَّقَوا ربَّهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه، لهم في الجنة غُرفٌ من فوقها غرف مبنيةٌ، عَلاليَّ بعضُها فوق بعض، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقول تعالى ذكره: تَجرى من تحت أشجارها (٢)؛ جَنَّاتِها الأنهار.
وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وعَدْنا هذه الغُرَفَ التي من فوقها غرفٌ مبنية في الجنة، هؤلاء المتقين، ﴿لا يُخلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ﴾. يقول جل ثناؤه: والله لا يُخلفهم وعده، ولكنه يُوفي بوعده.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد، ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو المطرُ، ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فأجراه عيونا في الأرضِ، واحدُها يَنبوعٌ، وهو ما جاشَ (٣) مِن الأرض.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي في قوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: كل [ندًى وماءٍ] (١) في الأرض من السماءِ نزل (٢).
قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيان، عن جابر، عن الحسنِ بن مسلم بن يَنَّاقَ (٣).
قال: ثم يُنبت (٤) بذلك الماء الذي أنزله من السماء، فجعله في الأرض عُيُونًا - ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾. يعنى: أنواعًا مختلفة؛ مين بين حنطة وشعير وسمسم وأُرز، ونحو ذلك من الأنواع المختلفة، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾. يقولُ: ثم يَيْبَسُ ذلك الزرعُ مِن بعدِ خُضْرتِه، يقالُ للأرضِ إذا يَبِس ما فيها مِن الخَضِرِ وذَوَى (٥): هاجت الأرضُ. و: هاج الزرعُ.
وقوله: ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾. يقول: فتراه من بعدِ خُضْرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر، وكذلك الزرعُ إذا يبس اصفر، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾، والحطام: فتاتُ التِّبْنِ والحشيش، يقولُ: ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يبَسًا فُتاتًا مُتكسِّرًا.