تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لإبليسَ: فإنك ممن أنظَرتُه إلى يومِ الوقتِ المعلومِ، وذلك الوقتُ الذي جعَله الله أجلًا لهلاكِه. وقد بيَّنتُ وقتَ ذلك فيما مضَى، واختلافَ أهلِ العلمِ فيه (٢).
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبليسُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾، أي: بقدرتِك وسلطانِك وقهرِك ما دونَك من خلْقِك، ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: لأُضِلَّنَّ بني آدمَ أجمعين.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ: إلا مَن أخلَصتَه منهم لعبادتِك، وعصَمتَه مِن إضلالي، فلم تجعَلْ لي عليه سبيلًا، فإني لا أقْدِرُ على إضلالِه وإغوائِه.
ص ٢٠/ ١٤٨
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: عَلِم عدوُّ الله أنه ليست له عزّةٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾.
اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾؛ فقرَأه بعضُ أهلِ الحجازِ وعامةُ الكوفيِّين برفعِ الحقِّ الأوّلِ، ونَصْبِ الثاني (١). وفي رفعِ الحقِّ الأوّلِ إذا قُرئ كذلك وَجْهان؛ أحدُهما: رَفْعُه بضميرٍ: الله الحقُّ، أو: أنا الحقُّ وأقولُ الحقَّ. والثاني: أن يكونَ مرفوعًا بتأويلِ قولِه:
﴿لأَمْلأَنَّ﴾. فيكونَ معنى الكلامِ حينئذٍ: فالحقُّ أن أملأَ جهنمَ منك. كما يقالُ (٢): عَزْمةٌ صادقةٌ لآتينّك. فرفَعَ "عَزْمةً" بتأويلِ "لآتينّك"؛ لأن تأويلَه: أن آتيَك. كما قال: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]. ولا بدَّ لقولِه: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ مِن مرفوعٍ، وهو مضمرٌ في المعنى.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ المكيِّين والكوفيِّين، بنصْبِ الحقِّ الأوّلِ والثانى كليهما (٣)، بمعنى: حقًّا لأملأنَّ جهنمَ، والحقَّ أقولُ. ثم أُدخِلَتِ الألفُ واللَّامُ عليه وهو منصوبٌ؛ لأن دخولَهما - إذا كان ذلك معنى الكلامِ - وخروجَهما منه سواءٌ، كما سواءٌ قولُهم: حمدًا لله. و: الحمدَ لله. عندهم إذا نُصِبَ. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ نصْبُه على وجهِ الإغراءِ، بمعنى: الزموا الحقَّ. أو:

