تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: أَمَنَةٌ مِن اللهِ لنوحٍ في العالَمين، أن يَذْكُرَه [أحدٌ بسوءٍ] (٤).
و"سلامٌ" مرفوعٌ بـ"على"، وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ الكوفةِ يقولُ (٥): معناه: وترَكْنا عليه في الآخِرين. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾. أى: ترَكْنا عليه هذه الكلمةَ، كما تقولُ: قَرَأْتُ مِن القرآنِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فتكونُ الجملةُ في معنى نصبٍ، وتَرْفَعُها باللام (٦)، كذلك: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ تَرْفَعُه بـ"على" وهو في تأويلِ نصبٍ. قال: ولو كان: ترَكنا عليه سلامًا. كان صوابًا.
وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا كما فعَلْنا بنوحٍ، مُجازاةً له على طاعتِنا، وصبرِه على أذَى قومِه فى رِضانا ﴿وَنَجَّيْنَاهُ (¬٧) وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وأبْقَينا عليه ثناءً في
ص ١٩/ ٥٦٣
الآخرين. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي﴾ الذين يُحْسِنون فيُطِيعوننا، وينْتَهون إلى أمرِنا، ويَصْبِرون على الأذى فينا.
وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن نوحًا من عبادِنا الذين آمنوا بنا، فوحَّدُونا، وأخْلَصوا لنا العبادةَ، وأفْرَدونا بالأُلوهةِ.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ثم أَغْرَقُنا حين نجَّيْنا نوحًا وأهلَه من الكربِ العظيمِ، مَن بقِى مِن قومِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. قال: أنجاه اللهُ ومَن معه في السفينةِ، وأغْرَق بقيةَ قومِه.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن مِن أشياعِ (١) نوحٍ على مِنْهاجِه وملَّتِه واللهِ، لإبراهيمَ خليلَ الرحمنِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

