تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإِنَّ كلَّ هذه القرونِ التي أَهْلَكناها والذين لم يُهْلِكُهم وغيرَهم، عندَنا يومَ القيامةِ جميعُهم ﴿مُحْضَرُونَ﴾.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. أي: هم يومَ القيامةِ (١).
واختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قَرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفيِّين: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَا) بالتخفيفِ، توجيهًا منهم إلى أن ذلك "ما" أُدخِلت عليها اللامُ التي تَدْخُلُ جوابًا لـ "إن"، وأنَّ معنى الكلام: وإِنْ كلٌّ لجميعٌ (٢) لدينا مُحْضَرون. وقرَأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿لما﴾ لما بتشديدِ الميمِ (٣). ولتشديدِهم ذلك عندَنا وجهان؛ أحدُهما، أن يكونَ الكلامُ عندَهم كان مرادًا به: وإن كلٌّ لمِمَّا جميعٌ. ثم حُذِفت إحدى الميماتِ لَمّا كَثُرْن، كما قال الشاعرُ (٤):
غداةَ طَفَتْ عَلْمَاءِ (٥) بَكْرُ بنُ وائلٍ … وعُجْنا صُدورَ الخيلِ نحوَ تَمِيمِ
والآخرُ، أن يَكُونوا أرادوا أن تكونَ "لَمَّا" بمعنى إلّا مع "إنْ" خاصةً، فتكونَ نَظِيرةَ "إنما" إذا وُضِعتْ موضعَ "إلّا". وقد كان بعضُ نَحْويِّى الكوفةِ يقولُ: كأنها "لَمْ" ضُمَّتْ إليها "ما"، فصارتا جميعًا استثناءً، وخرَجتا من حدِّ الجَحْدِ. وكان
[— بداية ص ١٩/ ٤٣٢، page_id=13172 —]
بعضُ أهلُ العربية يقولُ (١): لا أعْرِفُ وجهَ "لمَّا" بالتشديدِ.
والصواب من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان، متقارِبَتا المعنى، فبأيِتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ودلالةٌ لهؤلاء المشركين على قدرةِ اللهِ على ما يشاءُ، وعلى إحيائِه من مات من خلقِه، وإعادتِه بعدَ فَنائِه كهيئتِه قبلَ مماتِه - إحياؤُه الأرضَ الميْتةَ التي لا نَبْتَ فيها ولا زرعَ، بالغيثِ الذي يُنْزِلُه من السماءِ، حتى يُخْرج زرعَها، ثم إخراجُه منها الحبَّ، الذي هو قوتٌ لهم وغذاءٌ، فمنه يأكلون.
وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا في هذه الأرضِ التي أحْييناها بعدَ موتها، بساتينَ من نخيلٍ وأعنابٍ، ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾. يقولُ: وأنْبَعنا فيها من عيونِ الماءِ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكرُه: أنشأنا هذه الجناتِ في هذه الأرضِ؛ ليَأْكُل عبادى من ثمرِه (وَمَا عَمِلَتْ (٢) أَيْدِيهِمْ). يقولُ: ليَأْكُلوا من ثمرِ