Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ مِن الكفرة بالله في الدنيا، فكانوا أتباعًا لرؤسائهم في الضلالة، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ فيها فكانوا لهم (١) رؤساء: بل مكرُكم بنا (٢) بالليل والنهارِ صَدَّنا عن الهدى، [﴿وإِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ باللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾: أمثالًا وأشباها] (٣) في العبادةِ والألوهية.
[وأُضيف] (٤) المكرُ إلى الليل والنهارِ، والمعنى ما ذَكَرْنا مِن مكرِ المُسْتَكْبِرين بالمُسْتَضْعَفِين في الليل والنهار، على اتِّساع العرب في الذي قد عُرف معناها فيه (٥) مِن مَنْطِقِها؛ مِن نَقْلِ صفة الشيء إلى غيره، فتقولُ للرجل: يا فلان، نهارُك صائمٌ، وليلك قائمٌ. وكما قال الشاعرُ (٦):
* ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ (٧) بنائمِ *
وما أشبَه ذلك، مما قد مضى تِبْيانُنا له في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كتابنا هذا (٨).
يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال الله ﷿ متهددًا لهم ومتوعدًا ومخبرًا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ منهم وهم قادتهم وسادتهم ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لولا أنتم تصدوننا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاؤونا به فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك، ولهذا قالوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلًا نهارًا وتغروننا وتمنوننا وتخبروننا أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين.
ص ٦/ ٢٨٥
قال قتادة وابن زيد: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يقول: بل مكركم بالليل والنهار (١)، وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم بالليل والنهار.
﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ أي: نظراء وآلهة معه وتقيمون لنا شبهًا وأشياء من المحال تضلوننا بها.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم وللأتباع بحسبهم ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن صُرَد، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها، ثم لفحتهم لفحة لم يبق لحم إلا سقط على العرقوب" (٢).
وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا الطيب أبو الحسن، عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولا مغار ولا غلٍّ ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب، قال: فحدثته أبا سليمان؛ يعني: الداراني رحمة الله عليه، فبكى ثم قال: ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه والغلَّ في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أدخل النار وأدخل المغار؟ اللَّهم سلِّم (٣).
يقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ آمرًا بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبيًا في قرية إلا كذبه مترفوها واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح ﵊ ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]،
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكَّة لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يعنون التوراة والإِنجيل، وذلك أن مؤمني أهل الكتاب قالوا: إِنّ صفة محمد في كتابنا، فكفر أهلُ مكَّة بكتابهم. ثم أخبر عن حالهم في القيامة فقال: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ يعني مشركي مكة مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الآخرة يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ أي: يَرُدُّ بعضُهم على بعض في الجدال واللَّوم يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم الأشراف والقادة: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ أي: مصدِّقين بتوحيد الله والمعنى: أنتم منعتمونا عن الإِيمان فأجابهم المتبوعون فقالوا: أنحن صددنكم عن الهُدى أي: منعناكم عن الإِيمان بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ به الرسول؟ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ بترك الإِيمان- وفي هذا تنبيه للكفار على أن طاعة بعضهم لبعض في الدنيا تصير سبباً للعداوة في الآخرة- فردَّ عليهم الأتباع فقالوا: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي: بل مكرُكم بنا في الليل والنهار.
قال الفراء: وهذا ممَّا تتوسع فيه العرب لوضوح معناه، كما يقولون: ليله قائم، ونهاره صائم، فتضيف الفعل إِلى غير الآدميين، والمعنى لهم. وقال الأخفش: وهذا كقوله تعالى: مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ «١» ، قال جرير:
لقد لُمْتِنا يا أمَّ غَيلانَ في السُّرى ... ونمتِ وَما ليلُ المطيِّ بِنائمِ «٢»
وقرأ سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وعاصم الجحدري: «بل مَكَرَ» بفتح الكاف والراء «الليلُ والنهارُ» برفعهما. وقرأ ابن يعمر: «بل مَكْرُ» باسكان الكاف ورفع الراء وتنوينها، «الليلَ والنهارَ» بنصبهما.
قوله تعالى: إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وذلك أنهم كانوا يقولون لهم: إِنَّ دِيننا حقّ ومحمد كذّاب، وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ وقد سبق بيانه في يونس «٣» .
قوله تعالى: وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا إِذا دخلوا جهنم غُلَّت أيديهم إِلى أعناقهم، وقالت لهم خزنة جهنم: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون في الدنيا. قال أبو عبيدة: مجاز «هل» ها هنا مجاز الإِيجاب، وليس باستفهام والمعنى: ما تُجزَون إلّا ما كنتم تعملون.