تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ اللَّهَ أَبعَدَ الكافرين به من كلِّ خيرٍ، وأقصاهم عنه. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾. يقولُ: وأعدَّ لهم (١) في الآخرةِ نارًا تَتَّقِدُ وتَتَسَعَّرُ، ليُصْلِيَهموها.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: ماكثين في السعيرِ أبدًا، إلى غيرِ نهايةٍ. ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يتولاهم، فيَسْتنقذَهم من السعيرِ التي أصلاهموها اللَّهُ ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ لم ينصرُهم، فينجِّيَهم من عقابِ اللَّهِ إياهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لا يجدُ هؤلاء الكافرون وليًّا ولا نصيرًا في يوم تُقَلَّبُ وجوهُهم في النارِ، حالًا بعدَ حالٍ، يقُولونَ، وتلك حالُهم في النارِ: يا ليتَنا كنَّا (٢) أطَعْنا اللَّهَ في الدنيا، وأطعْنا رسولَه فيما جاءنا به عنه من أمرِه ونهيِه؛ فكنَّا مع أهلِ الجنةِ في الجنةِ، يا لها حسرةً ونَدامةً، ما أعظمَها وأجلَّها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الكافرون يومَ القيامةِ في جهنمَ: ربَّنا إِنا أَطَعْنا أئمَّتَنَا في الضلالةِ وكبراءَنا في الشركِ، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. يقولُ: فأزَالونا (٣) عن
[— بداية ص ١٩/ ١٨٩، page_id=12929 —]
محَجَّةِ الحقِّ، وطريقِ الهُدى، والإيمانِ بك، والإقرارِ بوحدانيتِك، وإخلاصِ طاعتِك في الدنيا،
﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: عَذِّبْهُم مِن العذابِ مِثْلَى عذابِنا الذي تُعذِّبُنا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾. يقولُ: وأَخْزِهم خِزْيًا كبيرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. أي: رُءُوسَنا في الشرِّ والشركِ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. قال: هم رءوسُ الأممِ الذين أضَلُّوهم. قال: هو ﴿سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ واحدٌ.
وقرأتْ عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿سَادَتَنَا﴾ (٢). ورُوِى عن الحسنِ البصريِّ: (سادَاتِنا) على الجماعِ (٣). والتوحيدُ في ذلك هي القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.
واختَلفوا في قراءةِ قولِه: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ بالثاءِ: (كَثِيرًا) مِن الكثرةِ (٤)، سِوى عاصمٍ؛ فإنه قرَأه: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾. مِن