تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
The library could not pinpoint the verse on this page, so the whole page is shown.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. أي: أهلَ النفاقِ، ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أي: إلا دَفْعًا وتَعْذيرًا (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: هذا يومُ الأحزابِ، انصرَف رجلٌ مِن عندِ رسولِ اللهِ ﷺ، فوجَد أخاه، بينَ يدَيه شِواءٌ ورغيفٌ ونَبِيذٌ، فقال له: أنت ههنا في الشِّواءِ والرغيفِ والنَّبيذِ، ورسولُ اللهِ ﷺ بينَ الرِّماحِ والسيوفِ؟ فقال: هَلُمَّ إلى هذا، فقد بلَغ (٢) بك وبصاحبِك، والذي يُحْلَفُ به لا يستقبلُها (٣) محمدٌ أبدًا. فقال: كذبتَ والذي يُحْلَفُ به. قال - وكان أخاه مِن أبيه وأمِّه -: أمَا واللهِ لأُخْبِرن النبي ﷺ أمرَك. قال: وذهَب إلى رسولِ اللهِ ﷺ ليخبرَه، قال: فوجَده قد نزَل جبرائيلُ، ﵇، بخبرِه (٤): ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥).
وقولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي وصَف اللهُ به هؤلاء المنافقين في هذا الموضعِ مِن الشُّحِّ؛ فقال بعضُهم: وصَفهم بالشُّحِّ عليهم في الغنيمِة.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾:
ص ١٩/ ٥٢
في الغنيمةِ (١).
وقال آخرون: بل وصَفهم بالشُّحِّ عليهم بالخيرِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنى عيسى، وحدثني الحارثُ] (٢)، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال: بالخيرِ، المنافقون. وقال غيرُه: معناه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالنفقةِ على ضُعفاءِ المؤمنين منكم (٣).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاء المنافقين بالجُبْنِ والشُّحِّ، [ولم يَخْصُصُ] (٢) وصفَهم مِن معاني الشُّحِّ بمعنًى دونَ معنًى، فهم كما وصَفهم الله به أشحَّةً على المؤمنين بالغنيمةِ والخيرِ والنفقةِ في سبيلِ اللهِ، على أهل مَسْكنةِ المسلمين. ونُصب قولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. على الحالِ، مِن ذكرِ الاسمِ الذي في قولِه: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾. كأنه قيل: هم جُبَناءُ عندَ البأسِ، أشِحاءُ عندَ قَسْمِ الغنيمةِ بالغنيمةِ.
وقد يحتملُ أن يكونَ قَطْعًا مِن قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. فيكونَ تأويلُه: قد يعلمُ اللَّهُ الذين يُعَوِّقون الناسَ عن القتالِ، ويَشِحُّون عندَ الفتحِ بالغنيمةِ. ويجوزُ أن يكونَ أيضًا قَطْعًا من قولِه: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ﴿أَشِحَّةً﴾، وهم هكذا أشحةً. ووصَفهم جلَّ ثناؤُه بما وصَفهم مِن الشُّحِّ على المؤمنين؛ لِما في أنفسِهم لهم

