تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قل يا محمدُ: صدَق اللهُ فيما أَخْبَرنا به من قولِه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وأن الله لم يُحرِّمْ على إسرائيلَ ولا على ولدِه العروقَ ولا لحومَ الإبلِ، وألبانَها وأن ذلك إنما كان شيئًا حرَّمه إسرائيلُ على نفسِه وولدِه بغيرِ تحريمِ اللهِ إيَّاه عليهم في التوراةِ، وفي كلِّ ما أَخْبَر به عبادَه من خبرٍ، دونَكم أنتم يا معشرَ اليهودِ الكَذَبةِ في إضافتِكم تحريمَ ذلك إلى اللهِ عليكم في التوراةِ، المفتريةِ على اللهِ الباطلَ في دعْوَاكم عليه غيرَ الحقَّ. ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. يقولُ: فإن كنتم أيُّها اليهودُ محقِّين في دعْوَاكم أنكم على الدينِ الذي ارْتَضاه اللهُ لأنبيائِه ورسلِه، فاتبعُوا ملةَ إبراهيمَ خليلِ اللهِ، فإنكم تعلَمون أنه الحقُّ الذي ارْتَضاه اللهُ من خلقِه دينًا، وابْتَعَث به أنبياءَه، وذلك الحنيفيَّةُ، يعني: الاستقامةَ على الإسلامِ وشرائعِه، دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ والمُشْرِكةِ.
[— بداية ص ٥/ ٥٨٩، page_id=3706 —]
وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يقولُ: لم يكنْ يُشْرِكُ في عبادتِه أحدًا من خلقِه، فكذلك أنتم أيضًا أيها اليهودُ، فلا يتَّخِذْ بعضُكم بعضًا أربابًا من دونِ اللهِ، تُطيعونهم كطاعةِ إبراهيمَ ربَّه. وأنتم يا معشرَ عَبَدةِ الأوثانِ، فلا تتَّخذوا الأوثانَ والأصنامَ أربابًا، ولا تعبُدوا شيئًا من دونِ اللهِ؛ فإن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ كان دينُه إخلاصَ العبادةِ لربِّه وحدَه، من غيرِ إشراكِ أحدٍ معه فيه، فكذلك أنتم أيضًا، فأَخْلِصوا له العبادةَ، ولا تشرِكوا معه في العبادةِ أحدًا، فإن جميعَكم مُقرُّون بأن إبراهيمَ كان على حقٍّ وهَدْيٍ مستقيمٍ، فاتَّبِعوا ما قد أَجْمَع جميعُكم على تَصْويبِه من ملَّتِه الحنيفيَّةِ، ودَعُوا ما اخْتَلَفتم فيه من سائرِ الملل غيرِها، أيها الأحزابُ، فإنها بِدَعٌ ابْتَدَعْتُموها، إلى ما قد أَجْمَعتم عليه أنه حقٌّ، فإن الذي أَجْمَعتم عليه أنه صوابٌ وحقٌّ من ملةِ إبراهيمَ، هو الحقُّ الذي ارْتَضَيْتُه، وابْتَعثتُ به أنبيائِى ورسلي، وسائرُ ذلك هو الباطلُ الذي لا أقبَلُه من أحدٍ مِن خَلْقى جاءني به يومَ القيامةِ.
وإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يعنى به: وما كان من عَدَدِهم وأوليائِهم. وذلك أن المشركين بعضُهم من بعضٍ في التَّظاهُرِ على كفرِهم، ونُصْرةِ بعضِهم بعضًا، فبرَّأ اللهُ إبراهيمَ خليلَه أن يكونَ منهم، أو من (١) نُصرائِهم وأهلِ ولايتِهم. وإنما عنَى جلَّ ثناؤُه بالمشركين: اليهودَ والنصارى وسائرَ الأديانِ غيرِ الحنيفيَّةِ. قال: لم يكنْ إبراهيمُ من أهلِ هذه الأديانِ المشركةِ، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾.