تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ ﷿ عن الحَواريِّين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ أَي: صدَّقْنا ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ يعنى: بما أنْزلتَ على نبيِّك عيسى مِن كتابِك، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ يعنى بذلك: صِرْنا أتباعَ عيسى، على دينِك الذي ابْتَعَثْتَه به، وأعوانَه على الحقِّ الذي أرْسَلْتَه به إلى عبادِك.
وقولُه: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يقولُ: فأَثْبِتْ أسماءَنا مع أسماءِ الذين شهِدُوا بالحقِّ، وأَقَرُّوا لك بالتوحيدِ، وصدَّقوا رُسُلَك، واتَّبعوا أمرَك ونهيَك، فاجْعَلنا في عِدادِهم ومعهم، فيما تُكْرِمُهم به مِن كَرامتِك، وأَحِلَّنا مَحَلَّهم، ولا تَجْعَلْنا ممَّن كفَر بك، وصدَّ عن سبيلِك، وخالَف أمرَك ونهيَك.
يُعَرِّفُ خلقَه جلَّ ثناؤُه بذلك سبيلَ الذين رضِىَ أقوالَهم وأفعالَهم، ليَحْتَذوا طريقَهم، ويَتَّبِعُوا مِنْهاجَهم، فيَصِلوا إلى مثلِ الذي وصَلوا إليه مِن درجاتِ كرامتِه، ويُكَذِّبُ بذلك الذين انْتَحَلوا مِن المِلَلِ غيرَ الحَنيفيَّةِ المسلمةِ، في دَعْواهم على أنبياءِ اللهِ، أنهم كانوا على غيرِها، ويَحْتَجُ به على الوفدِ الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن
[— بداية ص ٥/ ٤٤٦، page_id=3563 —]
أهلِ نَجْرانَ، بأنَّ قِيلَ مَن ﵁ مِن أتْباعِ عيسى، كان خلافَ قِيلِهم، ومِنْهاجَهم غيرُ مِنْهاجِهم.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. أي: هكذا كان قولُهم وإيمانُهم (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.
يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومكَر الذين كفَروا من بني إسرائيلَ. وهم الذين ذكَر اللهُ أن عيسى أحَسَّ منهم الكفرَ.
وكان مكرُهم الذي وصَفَهم اللهُ به مُواطَأةَ بعضِهم بعضًا على الفَتْكِ بعيسى وقتلِه، وذلك أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه بعدَ إخْراجِ قومِه إيَّاه وأمَّه مِن بين أظهُرِهم، عاد إليهم، فيما حدَّثنا محمدُ بنَ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ثم إن عيسى سار بهم، يعْنى بالحَوارِيِّين الذين كانوا يَصْطادون السمكَ، فآمَنوا به واتَّبَعوه إذ دعاهم، حتى أتَى بنى إسرائيلَ ليلًا فصاح فيهم، فذلك قولُه: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ الآية [الصف: ١٤].
وأما مكرُ اللهِ بهم، فإنه - فيما ذكَر السُّدِّيُّ - إلقاؤُه شَبَهَ عيسى على بعضِ أتْباعِه، حتى قتَله الماكِرون بعيسى، وهم يَحْسَبونه عيسى، وقد رفَع اللهُ ﷿ عيسى قبلَ ذلك.