تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال: قال (٣) - يعني زكريا -: يا ربِّ، فإن كان هذا الصوتُ منك فاجعلْ لى آية (٤).
وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى "الآية" وأنها العلامةُ، بما أغْنَى عن إعادتِه (٥).
وقد اخْتلف أهلُ العربية في سبب ترك العرب همزَها، ومن شأنها همزُ كلِّ ياءٍ جاءت بعد ألفٍ ساكنةٍ؛ فقال بعضُهم: تُرِك همزها لأنها كانت "أَيَّةً"، فثقُل عليهم التشديدُ، فأبْدَلوه ألفًا؛ لانفتاح ما قبلَ التشديد، كما قالوا: أيْما فلانٌ فأخزاه الله.
وقال آخرون منهم: بل هي "فاعلةٌ" منقوصةٌ. فسُئلوا، فقيل لهم: فما بالُ العرب تُصَغِّرُها "أُيَيَّةً"، ولم يقولوا: "أُويَّةً"؟ فقالوا: قيل ذلك كما قيل في
[— بداية ص ٥/ ٣٨٥، page_id=3502 —]
فاطمةَ: هذه فُطَيمة. فقيل لهم: فإنهم إنما (١) يُصغِّرون "فاعلةٌ" على "فُعَيْلةٍ"، إذا كان اسمًا في معنى فلانٍ وفلانةً، فأمَّا في غير ذلك، فليس من تصغيرهم "فاعلة" على "فُعَيْلَةٍ".
وقال آخرون: إنه "فَعْلَةٌ"، صُيِّرت ياؤُها الأُولى ألفًا كما فعل بـ "حاجةٍ" و "قامةٍ". فقيل لهم: إنما تَفْعَلُ العرب ذلك في أولاد الثلاثة (٢).
وقال مَن أنْكر ذلك من قبلهم: لو كان كما قالوا لقيل في نواةٍ: "نايةٌ". وفى حياةٍ: "حايَةٌ".
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
فعاقبه (٣) الله ﷿ فيما ذُكر لنا - بمسألته الآيةَ، بعد مشافهة الملائكةِ إيَّاه بالبِشارةِ، فجعَل آيته على تَحْقيقِ (٤) ما سمِع مِن البشارةِ من الملائكةِ بيحيى أنه مِن عندِ الله، آيةً مِن نفسه، جمَع تعالى ذكرُه بها العلامة التي سألها ربَّه، على ما يُبَيِّنُ له حقيقة البِشارةِ أنها من عندِ اللهِ، وتمحيصًا له من هَفْوتِه، وخطأ قيله ومسألته.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي