تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واستَكْبَر فرعونُ وجنودُه في أرضِ مصرَ عن تصديقِ موسى واتباعِه على ما دَعاهم إليه مِن توحيدِ اللهِ، والإقرارِ بالعبودةِ له، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. يعنى: تَعَدِّيًا وعُتُوًّا على ربِّهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وحَسِبوا أنهم بعدَ مَماتِهم لا يُبْعَثون، ولا ثوابَ ولا عقابَ، فركِبوا أهواءَهم، ولم يَعْلَموا أن الله لهم بالمرصادِ، وأنه لهم مُجازٍ على أعمالِهم الخبيثةِ.
وقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجمَعْنا فرعونَ وجنودَه من القِبْطِ، ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾. يقولُ: فألقَينا (٢) جميعَهم في البحرِ، فغَرَّقْناهم فيه. كما قال أبو الأسودِ الدُّؤليُّ (٣):
[— بداية ص ١٨/ ٢٥٧، page_id=12355 —]
نَظَرْتَ إِلى عُنوانِه فنبذته … كنَبْذِك نَعْلًا أَخْلَقَتْ مِن نِعالِكا
وذُكر أن ذلك بحرٌ مِن وراءِ مصرَ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾. قال: كان اليَمُّ بحرًا يقالُ له: إسافٌ. مِن وراء مصرَ، غرَّقهم اللهُ فيه (١).
وقولُه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فانظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك كيف كان أمرُ هؤلاء الذين ظلَموا أنفسَهم، فكفَروا بربِّهم ورَدُّوا على رسولِه نصيحتَه، ألم نُهْلِكُهم فنُوَرِّثَ ديارَهم وأموالَهم أولياءَنا، ونُخَوِّلهم ما كان لهم مِن جناتٍ وعيونٍ، وكنوزٍ ومَقامٍ كريمٍ؟ بعد أن كانوا مُسْتَضْعفين، تُقَتَّلُ أبناؤُهم، وتُسْتَحْيا نساؤُهم؟ فإنا كذلك بك وبمَن آمَن بك وصَدَّقك فاعلون؛ مُخَوِّلوك وإياهم ديارَ مَن كذَّبك ورَدَّ عليك ما أتيتَهم به مِن الحقِّ، وأموالَهم، ومُهْلِكوهم قتلًا بالسيفِ، سنةَ الله في الذين خَلَوا مِن قبلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا فرعونُ وقومَه أئمةً يأتمُّ بهم أهلُ العُتُوِّ على اللهِ والكفرِ به، يَدْعون الناسَ إلى أعمالِ أهلِ النارِ، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ويومَ القيامةِ لا يَنْصُرُهم مِن الله إذا عذَّبهم ناصرٌ، وقد كانوا في الدنيا يَتَناصَرون، فاضمَحَلَّت تلك النُّصْرة يومَئذٍ.