Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاءِ الكافرونَ باللهِ الذين اتَّخذوا من دونِه آلهةً: ما هذا القرآنُ الذي جاءَنا بهِ محمدٌ ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾. يعنى: إِلَّا كَذَبٌ وبُهتانٌ
[— بداية ص ١٧/ ٣٩٨، page_id=11817 —]
﴿افْتَرَاهُ﴾ اخْتلَقه وتخرَّصَه [وتقوَّلَه] (١)، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾. ذُكِر أنَّهم كانوا يقولون: إنَّما يُعَلِّمُ محمدًا هذا الذي يجيئُنا به اليهودُ. فذلك قولُه: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾. يقولُ: وأعان محمدًا على هذا الإفكِ الذي افتراه يهودُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾. قال: يهودُ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقولُه: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقد أتى قائلُو هذه المقالةِ - يعنى الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ - ﴿ظُلْمًا﴾، يعنى بالظلمِ نسبتَهم كلامَ اللهِ وتَنْزِيلَه إلى أنَّه إفكٌ افترَاه محمدٌ ﷺ.
وقد بيَّنا فيما مضى أنَّ معنى الظُّلمِ. وَضْعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه (٣). فكأَنَّ ظُلْمَ قائلى هذه المقالةِ القرآنَ بقيلِهم هذا وَصْفُهُم إِيَّاهُ بغيرِ صفتِه.
يقول تعالى مخبرًا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار في قولهم عن القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾ أي: كذب ﴿افْتَرَاهُ﴾ يعنون: النبي ﷺ: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ أي: واستعان على جمعه بقوم آخرين، فقال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي: فقد افتروا هم قولًا باطلًا، وهم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعنون: كتب الأوائل؛ أي استنسخها ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: في أول النهار وآخره.
وهذا الكلام لسخافته وكذبه وبهته منهم يعلم كل أحد بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة أن محمدًا رسول الله ﷺ لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين
[— بداية ص ٥/ ٥٧٨، page_id=3156 —]
أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوًا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه وصدقه ونزاهته وبرَّه وأمانته وبعده عن الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم كانوا يسمّونه في صغره وإلى أن بعث "الأمين"، لما يعلمون من صدقه وبرِّه، فلما أكرمه الله بما أكرمه به نصبوا له العداوة ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا فيما يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب، وقال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ [الإسراء].
وقال تعالى في جواب ما عاندوا ههنا وافتروا ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارًا حقًّا صدقًا مطابقًا للواقع في الخارج ماضيًا ومستقبلًا ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي: الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ دعاء لهم إلى التوبة والإنابة وإخبار لهم بأن رحمته واسعة وأن حلمه عظيم وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتانهم وكفرهم وعنادهم وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج] قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة (١).
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: مشركي قريش وقال مقاتل: وهو قول النَّضْر بن الحارث من بني عبد الدار إِنْ هَذا أي: ما هذا، يعنون القرآن إِلَّا إِفْكٌ أي: كذب افْتَراهُ أي: اختلقه من تلقاء نفسه وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ قال مجاهد: يعنون اليهود وقال مقاتل: أشاروا إلى عدّاس مولى حويطب، ويسار غلام عامر بن الحضرمي، وجبر مولى لعامر أيضاً، وكان الثلاثة من أهل الكتاب.
قوله تعالى: فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً. قال الزّجّاج: المعنى فقد جاءوا بظلم وزور فلما سقطت الباء، أفضى الفعل فنصب، والزُّور: الكذب. وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ المعنى: وقالوا: الذي جاء به أساطير الأولين، وقد بيَّنَّا ذلك في (الأنعام) «١» . قال المفسرون: والذي قال هذا هو النضر بن الحارث.
ومعنى اكْتَتَبَها أَمر أن تُكْتَب له. وقرأ ابن مسعود، وإِبراهيم النخعي، وطلحة بن مصرف:
«اكْتُتِبَها» برفع التاء الأولى وكسر الثانية، والابتداءُ على قراءتهم برفع الهمزة، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ أي:
تُقرَأ عليه ليحفظها لا ليكتبها، لأنه لم يكن كاتباً، بُكْرَةً وَأَصِيلًا أي: غُدوة وعشيّاً. قُلْ لهم يا محمد: أَنْزَلَهُ يعني: القرآن الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ أي: لا يخفى عليه شيء فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
قوله تعالى: وَقالُوا يعني المشركين مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ أنكروا أن يكون الرسول بَشَراً يأكل الطعام ويمشي في الطُّرق كما يمشي سائر الناس يطلب المعيشة والمعنى: أنه ليس بملَك ولا ملِك، لأن الملائكة لا تأكل، والملوك لا تتبذَّل في الأسواق، فعجبوا أن يكون مساوياً للبشر لا يتميَّز عليهم بشيء وإِنما جعله الله بشراً ليكون مجانساً للذين أُرسل إِليهم، ولم يجعله ملِكاً يمتنع
[— بداية ص ٣/ ٣١٣، page_id=1496 —]
من المشي في الأسواق، لأن ذلك من فعل الجبابرة، ولأنه أُمر بدعائهم، فاحتاج أن يمشي بينهم. قوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ وذلك أنهم قالوا له: سل ربك أن يبعث معك ملَكاً يصدِّقك ويجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا فذلك قوله تعالى: أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أي: ينزل إِليه كنز من السماء أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها أي: بستان يأكل من ثماره. قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «يأكل منها» بالياء، يعنون النبيَّ ﷺ. وقرأ حمزة، والكسائي: «نأكل» بالنون، قال أبو علي: المعنى: يكون له علينا مزيِّة في الفضل بأكلنا من جنته. وباقي الآية مفسَّر في (بني إِسرائيل) «١» .
قوله تعالى: انْظُرْ يا محمد كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ حين مثَّلوك بالمسحور، وبالكاهن والمجنون والشاعر فَضَلُّوا بهذا عن الهدى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا فيه قولان:
أحدهما: لا يستطيعون مَخرجاً من الأمثال التي ضربوها، قاله مجاهد، والمعنى أنهم كذّبوا ولم يجدوا على قولهم حُجَّة وبرهاناً. وقال الفراء: لا يستطيعون في أمرك حيلة.
والثاني: سبيلاً إِلى الطاعة، قاله السّدّيّ.
Footnotes are the editor's words, not the author's.