تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
The library could not pinpoint the verse on this page, so the whole page is shown.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المكذّبين بالآخرةِ من قومِك: لمن مُلكُ الأرضِ ومَن فيها من الخلْقِ، إن كنتم تَعْلَمون مَنْ مالكُها؟. ثم أعلَمَه أنهم سيُقرّون بأنها لله ملكًا، دون سائرِ الأشياءِ غيرِه.
﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: فقلْ لهم إذا أجابوكَ بذلك كذلك: أفلا تذكَّرون فتعلَموا (١) أنَّ مَن قدَر على خلْقٍ ذلك ابتداءً، فهو قادرٌ على إحيائِهم بعدَ مماتِهم، وإعادتِهم خلْقًا سويًّا بعدَ فنائِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ: قلْ لهم يا محمدُ: من ربُّ السماواتِ السبعِ، وربُّ العرشِ المحيطِ بذلك؟ سيقولون: ذلك كلُّه للهِ، وهو ربُّه (٢). فقلْ لهم: أفلا تتقونَ عقابه على كفرِكم به، وتكذيبِكم خبرَه وخبرَ رسولِه؟
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ والشامِ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾. سوى أبي عمرٍو، فإنه خالَفهم؛ فقرأه: (سَيَقُولُونَ اللهُ) (٣). في هذا الموضعِ، وفي الآخرِ الذي بعدَه؛ اتَّباعًا لخطِّ المصحفِ، فإنّ ذلك كذلك في مصاحفِ الأمصارِ، إلَّا في مصحفِ أهلِ البصرةِ، فإنه في الموضعينِ بالألفِ (٤)، فقرءوا بالألفِ كلَّها؛ اتباعًا لخطِّ مصحفِهم. فأما الذين قَرءوه بالألفِ فلا مُؤْنةَ في قراءتِهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجرَوا (٥) الجوابَ على الابتداءِ، وردّوا مرفوعًا على مرفوعٍ؛ وذلك أن معنى الكلامِ
ص ١٧/ ٩٩
على قراءتِهم: قلْ من ربُّ السماواتِ السبعِ وربُّ العرشِ العظيمِ؟ سيقولون: ربُّ ذلك اللهُ. فلا مؤنةَ في قراءةِ ذلك كذلك. وأمَّا الذين قَرءوا ذلك في هذا وفى الذي يليهِ بغيرِ ألفٍ، فإنَّهم قالوا: معنى قولِه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾: لمن السماواتُ (١)، لمن مُلكُ ذلك؟ فجعَلَ الجوابَ على المعنى، فقيل: (اللهُ). لأن المسألةَ عن مُلكِ ذلك لمن هو. قالوا: وذلك نظيرُ قولِ قائلٍ لرجلٍ: من مولاك؟ فيجيبُ المجيبُ عن معنى ما سُئل (٢)، فيقولُ: أنا لفلانٍ. لأنَّه مفهومٌ بذلك من الجوابِ ما هو مفهومٌ بقولِه: مولاى فلانٌ. وكان بعضُهم يَذكُرُ أَنَّ بعضَ بني عامرٍ أنشَده (٣):
وأَعْلَمُ أَنَّنِي سأكُونُ رَمْسًا … إذَا سارَ النَّوَاعِجُ (٤) لا يَسِيرُ
فقال السَّائِلُونَ (٥) لِمَنْ حَفَرْتُمْ … فقال المُخْبِرُونَ لَهُمْ وَزِيرُ
فأجابَ المخفوضَ بمرفوعٍ؛ لأنَّ معْنى الكلامِ: فقال السائلونَ: من الميتُ؟ فقال المخبرون: الميتُ وزيرٌ. فأجابوا عن المعنى دون اللفظِ.
والصوابُ من القراءةِ في ذلك أنهما قراءتانِ، قد قرَأَ بهما علماءُ من القرأةِ، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أني مع ذلك أختارُ قراءةَ جميعِ ذلك بغيرِ ألفٍ؛ لاجتماعِ خطوطِ مصاحفِ الأمصارِ على ذلك، سوى خطِّ مصحفِ أهل البصرةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ

