تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا﴾ إلى الأممِ التي أَنشَأْنا بعدَ ثمودَ، ﴿رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. يعنى: يتْبَعُ بعضُها بعضًا، وبعضُها فى أثرِ بعضٍ. وهى من المواترةِ، وهى اسمٌ لجمعٍ، مثلُ "شيءٍ"، لا يقالُ: [جاءني فلانٌ تتْرى. كما لا يقالُ] (١): جاءنى فلانٌ مواترةً. وهى تنوَّنُ، ولا تنوَّنُ وفيها الياءُ (٢)، فمن لم ينوِّنْها فهى (٣) "فَعْلَى" من: وتَرتُ، ومن قال: تَتْرًا. توَهَّم أنَّ الياءَ (٢) أصليةٌ، كما قيل: مِعْزَى بالياء،. ومَعْزًا، وبُهْمَى وبُهْمًا. ونحوُ ذلك، فأُجرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانًا، فمن جعَلها "فَعْلَى" وقَف عليها، أشارَ إلى الكسرِ (٤)، ومَن جعَلها ألفَ إعرابٍ لم يُشِرْ؛ لأنَّ ألفَ الإعرابِ لا تكسرُ، لا يقالُ: رأيتُ يدى (٥). فيشارَ فيه إلى الكسرِ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ
ص ١٧/ ٤٩
قولَه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. يقولُ: يَتْبَعُ بعضُها بعضًا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى (¬٢)﴾. يقولُ: بعضُها على أثرِ بعضٍ.
[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال] (٣): ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تَتْرَى﴾. قال: إتباعُ بعضِها (٤) بعضًا (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. قال: يتْبَعُ بعضُها بعضًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. قال: بعضُهم على أثرِ بعضٍ، يتْبَعُ بعضُهم بعضًا (٦).
واختلَفت قرأةُ الأمصارِ في قراءةِ ذلك؛ [فقرَأ ذلك بعضُ] (٧) قرأةِ أهلِ مكةَ، وبعضُ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهل البصرةِ: (تَتْرًا) بالتنوينِ (٨).

