تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: قالوا: ما صالحٌ إلَّا رجلٌ اختَلقَ على اللهِ كذبًا في قولِه: ما لكم من إلهٍ [غيرُ اللهِ] (١). وفى وعدِه إياكم ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾.
وقولُه: ﴿هُوَ﴾ من ذِكرِ الرسولِ، وهو صالحٌ، ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وما نحن له بمصدِّقين فيما يقولُ أنه لا إلهَ لنا غيرُ اللهِ، وفيما يعدُنا من البعثِ بعد المماتِ.
وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. يقولُ: قال صالحٌ لما أيِسَ من إيمانِ قومِه باللهِ، ومن تصديقِهم إياه بقولِهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: رَبِّ انصُرْني على هؤلاء ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾.
يقولُ: بتكذيبِهم إياى فيما دعوتُهم إليه من الحقِّ. فاستغاثَ صلواتُ اللهِ عليه بربِّه من أذاهم إياه، وتكذيبِهم له، فقال اللهُ له مجيبًا في مسألتِه إياه ما سأل: عن قليلٍ يا صالحُ ليُصبِحَنّ مكذِّبوك من قومِك على تكذيبِهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزِلُ بهم نقمتُنا فلا ينفَعُهم الندمُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: فانتقَمنا منهم، فأرسَلْنا عليهم الصيحةَ، فأخَذَتهم بالحقِّ. وذلك أنَّ الله عاقَبهم باستحقاقِهم العقابَ منه؛ بكفرِهم به، وتكذيبِهم رسولَه،
ص ١٧/ ٤٦
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. يقولُ: فصيَّرناهم بمنزلةِ الغُثاءِ، وهو ما ارتفَعَ على السيلِ ونحوِه، كما لا يُنتفعُ به في شيءٍ، فإنما هذا مثَلٌ. والمعنى: فأهلَكناهم فجعَلناهم (١) كالشيءِ الذى لا منفعةَ فيه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: جُعِلوا كالشيءِ الميتِ البالى من الشجرِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿غُثَاءً﴾: كالرميمِ الهامدِ الذى يَحتملُ السيلَ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ (٤): ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. قال: كالرميمِ الهامدِ الذي يَحتملُ السيلَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾، قال: هو الشيءُ البالي.

