تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ الآية: يقولُ يرحمُه اللهُ: ألَا تَرَون أنهم لم يَدْفَعوا عن أنفسِهم الضُّرَّ الذي أصابَهم، وأنهم لا يَنْطِقون فيُخْبِرونكم مَن صنَع ذلك بهم، فكيف يَنْفَعونكم أو يَضُرُّون (١).
وقولُه: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾. يقولُ: قُبْحًا لكم وللآلهةِ التي تَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ. أفلا تَعْقِلُون قُبْحَ ما تَفْعَلون مِن عبادتِكم ما لا يضُرُّ ولا ينفعُ، فتَتْرُكوا عبادتَه، وتَعْبُدوا الله الذي فَطَر السماواتِ والأرضَ، والذي بيدِه النفعُ والضَّرُّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال بعضُ قوم إبراهيمَ لبعض: حَرِّقوا إبراهيمَ بالنار: ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم ناصِرِيها، ولم تُرِيدوا تَرْكَ عبادتِها.
وقيل: إن الذي قال ذلك رجلٌ مِن أكرادِ فارسَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:
[— بداية ص ١٦/ ٣٠٥، page_id=11080 —]
﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾. قال: قالَها رجلٌ مِن أعرابِ (١) فارسَ، يعنى الأكراد (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قال: أخبَرني وهبُ بنُ سليمانَ، عن شعيبٍ الجَبائيِّ، قال: إن الذي قال: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ هيزنُ، فَخَسَف اللهُ به الأرضَ، فهو يَتَجَلْجَلُ فيها إلى يومِ القيامةِ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أجمعَ نُمْرودُ وقومُه في إبراهيمَ فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: لا تَنْصُروها منه إلا بالتَّحْريقِ بالنارِ إِن كُنتُم ناصِرِيها (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الحسنِ بن دينارٍ، عن ليثِ بن أبى سُلَيمٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَلُوتُ هذه الآيةَ على عبدِ اللهِ بن عمرَ، فقال: أتدرى يا مجاهدُ من الذي أشارَ بتحْريقِ إبراهيمَ بالنارِ؟ قال: قلتُ لا. قال: رجلٌ مِن أعرابِ فارسَ. قلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، وهَلْ للفُرْسِ أعرابٌ؟ قال: نعم، [الكُرْدُ هم] (٥) أعرابُ فارسَ؛ فرجلٌ منهم هو الذي أشارَ بتَحْريقِ إبراهيمَ بالنارِ (٦).