تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ويقولُ هؤلاءِ المُستَعِجلون ربَّهم بالآياتِ والعذابِ، لمحمدٍ ﷺ: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؟ يقولُ: متى يجِيئُنا هذا الذي تَعِدُنا من العذابِ، إن كُنتُم صادقين فيما تَعِدُونَنا به من ذلك؟
وقيل: ﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾ (١). والمعنَى: الموعودُ. لمعرِفةِ السامِعين معناه. وقيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. كأنَّهم كانوا قالوا ذلك لرسول اللهِ ﷺ وللمؤمنين بهِ.
و ﴿مَتَى﴾ في موضعِ نصبٍ؛ لأنَّ معناه: أيَّ وقتٍ هذا الوعدُ؟ وأيَّ يومٍ هو؟ فهو نصبٌ على الظرف؛ لأنَّه وقتٌ.
القولٌ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: لو يعلمُ هؤلاءِ الكفارُ المُستَعجِلون عذابَ ربِّهم ماذا لهم من البلاءِ حينَ تَلفَحُ وجُوهَهم النارُ، وهم فيها كالِحُون، فلا يَكفُّون عن وجوهِهم النارَ التي تَلفَحُها، ولا عن ظُهورِهم فيَدفَعونها عنها بأنفسِهم، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: ولا لهم ناصرٌ ينصُرُهم، فيَسْتَنقِذُهم حينئذٍ من عذاب اللهِ - لَمَا أقامُوا على ما هُم عليه مُقيمون من الكفرِ باللهِ، ولَسارَعوا (٢) إلى التوبةِ منه والإيمانِ باللهِ، ولَما اسْتَعجَلوا لأنفسِهم البلاءَ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: لا تأتى هذه النارُ التي تَلْفَحُ وجوهَ هؤلاءِ الكفارِ الذين
وُصِف أمرُهم في هذه السُّورةِ حينَ تأتِيهم - عن علمٍ مِنهم بوْقُتِها؛ ولكنَّها تأتِيهم مفاجأةً لا يَشْعُرون بمجيئِها، ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾. يقولُ: فتَغْشاهم فجأةً، وتلْفحُ وجوهَهم معايَنةً، كالرَّجل يَبْهَتُ الرجلَ في وَجْهِهِ بالشيءِ حتى يَبْقَى المبهوتُ (١) كالحيرانِ منه، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾. يقولُ: فلا يُطيقون حينَ تَبْغَتُهم فتَبهَتُهم، دفْعَها عن أنفسِهم، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يقولُ: ولا هم وإن لم يُطيقوا دَفْعَها عن أنفسِهم يُؤَخَّرون بالعذابِ بها لتوبةٍ يُحدِثونها، وإنابةٍ يُنيبون؛ لأنَّها لَيْست حينَ عملٍ وساعةً توبةٍ وإنابةٍ، بل هي ساعةُ مُجازاةٍ وإثَابَةٍ.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾.
يقولُ تعالى ذِكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن يَتَّخِذْكَ يا محمدُ هؤلاءِ القائلُون لك: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]. إذا رَأَوْكَ هُزُوًا، ويَقُولُون: هذا الذي يَذْكُرُ آلهتَكم! كفرًا مِنهم باللهِ، واجْتراءً عليه - فلقد استهُزِئَ بِرُسُلٍ مِن رُسُلِنا الذين أرْسَلْناهم من قبلك إلى أُمِمهم. يقولُ: فوجَب ونزَل بالذين اسْتَهْزءوا بِهم، وسَخِروا مِنهم من أُمَمِهم ما كانوا به يستهزئون (٢)، من البلاءِ والعذابِ الذي كانت رُسُلُهم تخُوِّفُهم تُزولَه بهم.
﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلن يَعْدُوَ هؤلاءِ المُسْتَهْزِئُون بكَ من هؤلاءِ الكَفَرةِ أن يَكُونوا كأَسْلافهم من الأممِ المُكَذِّبةِ رُسُلَها، فينزلَ بهم من عذابِ اللَّهِ وسَخَطِه باسْتِهْزائِهم بكَ، نظيرُ الذي نزَل بِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ