تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: صدَّق الرسولُ، يعني: رسولُ اللهِ ﷺ، فأقرَّ ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ يعنى: بما أُوحِى إليه من عندِ ربِّه من الكتابِ وما فيه من حلالٍ وحرامٍ، ووعدٍ ووَعيدٍ، وأمْرٍ ونهيٍ، وغيرِ ذلك مِن سائرِ ما فيه من المعانى التي حوَاها.
وذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ لما نزَلَت هذه الآيةُ عليه قال: "يحقُّ (١) له".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: هو ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ لما نَزَلت هذه الآيةُ قال: "ويحقُّ (١) له أن يُؤْمِنَ" (٢).
وقد قيل: إنها نزَلَت بعدَ قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأن المؤمنين برسولِ اللهِ ﷺ مِن أصحابه شقَّ عليهم ما توَعَّدَ اللهُ به مِن محاسبتِهم على ما أخْفَتْه نفوسُهم، فشكَوْا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: "لعلكم تقولون: سمِعْنا وعصَيْنا كما قالت بنو إسرائيلَ". فقالوا: [بل نقولُ] (٣): سمِعْنا وأطَعْنا. فأَنْزَلَ اللهُ لذلك مِن قولِ النبيِّ ﷺ وقولِ أصحابِه:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. يقولُ: وصدَّق المؤمنون أيضًا مع نبيِّهم ﵇ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، الآيتين. وقد ذكَرْنا قائلى ذلك قبلُ (١).
واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ المدينةِ وبعضُ قرَأَةِ أهلِ العراِق ﴿وَكُتُبِهِ﴾ (٢) على وجهِ جمعِ الكتابِ، على معنى: والمؤمنون كلٌّ آمَن باللهِ وملائكتِه وجميعِ كتبِه التي أنْزَلَها على أنبيائِه ورسلِه.
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (وكتابِه) (٣). بمعنى: والمؤمنون كلٌّ آمَن باللهِ وملائكتِه وبالقرآنِ الذي أنْزَلَه على نبيِّه محمدٍ ﷺ.
وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وكتابِه) (٤). ويقولُ: الكتابُ أكثرُ مِن الكتبِ. وكان ابن عباسٍ يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى نحوِ قولِه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]. يعني جنسَ الناسِ وجنسَ الكتابِ، كما يقالُ: ما أكثرَ درهمَ فلانٍ ودينارَه. ويُرادُ به جنسُ الدراهمِ والدنانيرِ.
وذلك وإن كان مذهبًا من المذاهبِ معروفًا، فإن الذي هو أَعْجَبُ إليَّ مِن القراءةِ في ذلك أن يُقْرَأَ بلفظِ الجمعِ؛ لأن الذي قبلَه جمعٌ، والذي بعدَه كذلك - أعْنِى بذلك: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ ﴿وَرُسُلِهِ﴾ - فالْحاقُ "الكتبِ" في الجمعِ لفظًا به أعجبُ إليَّ مِن توحيدِه وإخراجِه في اللفظِ به بلفظِ الواحدِ؛ ليكونَ لاحقًا في اللفظِ والمعنى بلفظِ ما قبلَه وما بعدَه وبمعناه.