تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾: للذين يُقْسِمُون أَلِيَّةً. والأَليةُ الحلفُ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا مَسْلَمةُ بنُ علقمةَ، قال: ثنا داودُ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾: يَحْلِفون (٢).
يقالُ: آلَى فلانٌ يُؤْلِى إيلاءً وأَلِيَّةً. كما قال الشاعرُ (٣):
كفَيْنا مَن تغَيَّب مِن ترابٍ (٤) … وأحْنَثْنا أَلِيَّةَ مُقْسِمِينا
ويقالُ: أَلْوَةٌ وأُلْوَةٌ. كما قال الراجزُ:
ص ٤/ ٤٣
يا أُلْوَةٌ ما أُلْوَةٌ ما أُلْوَتِي
وقد حُكِى عنهم أيضًا أنهم يقولون: إلْوةٌ. مَكسورةُ الألفِ.
والتربُّصُ النظرُ والتوقفُ.
ومعنى الكلامِ: للذين يُؤْلون أن يَعْتَزِلوا مِن نسائِهم تربُّصُ أربعةِ أشهرٍ. فترَك ذكرَ "أن يَعْتَزلوا"، اكْتِفاءً بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ عليه.
واخْتَلَف أهلُ التأويل في صفةِ اليمين التى يَكونُ بها الرجلُ مُؤْلِيًا مِن امرأتِه؛ [فقال بعضُهم: اليمينُ التى يَكونُ بها الرجلُ مُؤْلِيًا مِن امرأتِه] (١)، أن يَحْلِفَ عليها في حالِ غضبٍ على وجهِ الضِّرارِ (٢) لها ألا يُجامِعَها في فرجِها، فأما إن حلَف على غيرِ وجهِ الإضْرارِ [وعلى] (٣) غيرِ غضبٍ فليس هو مُؤلِيًا منها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن سِماكٍ، عن حُرَيْثِ بنِ عَمِيرةَ، عن أمِّ عَطيةَ، قالت: قال جُبيرٌ: أرْضِعى ابنَ أخى مع ابنِكِ. فقالت: ما أَسْتَطِيعُ أن أُرْضِعَ اثنين. فحلَف ألا يقرَبَها حتى تَفْطِمَه، فلما فطَمَتْه مرَّ به على المجلسِ، فقال له القومُ: حَسَنًا ما غذَوْتُموه. قال جبيرٌ: إنى حلَفْتُ ألا أَقْرَبَها حتى تَفْطِمَه. فقال له القومُ: هذا إيلاءٌ. فأتَى عليًّا فاسْتَفْتاه، فقال: إن كنتَ فعَلْتَ ذلك غضبًا فلا تَصْلُحُ لك امرأتُك، وإلا فهى امرأتُك (٤).

