تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾.
يعني بذلك: وبشِّرْ، يا محمدُ، [من الصابرين] (٣)، الصابرين الذين يعلَمون أن جميعَ ما بهم مِن نعمةٍ فمنِّي، فيُقرُّون بعبودتي (٤)، ويوحِّدونَني بالرُّبوبيةِ، ويصدِّقون بالمعادِ والرجوعِ إليَّ، فيَستسْلِمون لقضائِي، ويَرجُون ثَوابِي، ويخافون عقابِي، ويقولون - عندَ امتحانِي إيَّاهم ببعضِ مِحَنِي، وابتلائِي إيَّاهم بما وعَدتُهم أن أبتلِيَهم به من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفسِ والثمراتِ وغيرِ ذلك من المصائبِ التي أنا مُمْتَحِنُهم بها -: إنّا مماليكُ رِّبنا ومَعْبودِنا أحياءً ونحنُ عبيدُه، وإنّا إليه بعدَ مَماتِنا صائرونَ. تسليمًا لقضائِي ورضًا بأحكامِي.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
يعني بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاءِ الصابرين الذين وصَفهم ونعَتهم.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعني: لهم ﴿صَلَوَاتٌ﴾ يعني: مغفرةٌ. وصلواتُ اللهِ على عبادِه:
[— بداية ص ٢/ ٧٠٧، page_id=1615 —]
غُفرانُه (١)، كالذي رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "اللّهُم صَلِّ على آلِ أبي أوْفَى" (٢).
يعني: اغفرْ لهم.
وقد بينَّا الصلاةَ وما أصلُها في غيرِ هذا الموضعِ (٣).
وقولُه: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، يعني: ولهم مع المغفرةِ التي (٤) صفَح عن ذنوبهم وتغمَّدها، رحمةٌ من اللهِ لهم ورأفةٌ.
ثم أخبَر ﷿ مع الذي ذكَر أنه مُعطيهم على اصطِبارِهم على مِحَنِه تسليمًا منهم لقضائِه من المغفرةِ والرحمةِ - أنهم هم المهتدون المصيبون طريقَ الحقِّ، والقائلون ما يُرْضِي عنهم ربَّهم (٥)، والفاعلون ما استوجَبُوا به من اللهِ الجزيلَ مِن الثوابِ.
وقد بيَّنا معنى الاهتداءِ فيما مضَى، وأنه بمعنى الرُّشْدِ للصوابِ (٦).
وبمعنى ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال في لك
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ